عبير الفقيه تكتب: “الإفراط في التفكير” و”الإفراط في الوعي”

عبير الفقيه*

    لم يكن لفيديو سائق التوك توك أن يسري سريان النّار في الهشيم ، لو لم تكن القلوب مشحونة بما جاء على لسانه غير أنّ القبضة الحديديّة منعتها من الجهر فخرست.
هذا على مستوى مُعجبيه الذين وجدوا في رسالته فرصة لتبنّي ما عبّر عنه من سخطٍ على سياسة الواقفين وراء الانهيار الذي وصلت إليه دولة بحجم مصر. أمّا موجة الاستنكار و التّجريم لشخصه من طرف الرّاضين عن وَضْع البلد فقد زادت الفيديو انتشارا أكثر من المنتظر، ووصلت ببعض السياسيين و الشخصيات العسكرية للمطالبة بالقبض على “صاحب التوك توك” وربّما فاتهم أن يوكلوا له تهمة ” الإفراط في الوعي” أسوة بالقضاء التّونسي الذي أوكل تهمة “الإفراط في التّفكير” قبل سنتين لمواطن هاوٍ اخترع  آلة {قال إنّها صاروخ}.
   عندما انتشرت تُهمة “الإفراط في التّفكير” على مواقع التّواصل الاجتماعي، ظننت أنّ الأمر هزلٌ، إلّا أنّ القناة الأولى الوطنيّة أثبتتها كتابة على شريط أخبارها يوم محاكمة الشّاب الثّلاثيني، و قيل أنّها تسمية لمخالفة موجودة في القانون التّونسي. ومن يومها دخلت هذه العبارة قاموس التندّر وأصبح النّاس يصفون أيّ شخص يتجاوز الحدّ المتعارف عليه من الوعي العام، و يوحي بمؤشّرات تدبّر وعمق نظر للقضايا أو حتى الأحداث اليوميّة على النّحو الذي يزعج السلطات هو “مُفرط في التّفكير”، ووجب كبح جماح عقله المُفكّر.
المُضحك في الأمر أنّ المعني بالأمر، لم يقصد يوما أن يملأ الدّنيا ويشغل النّاس بهذا الشّكل. فهذا الشّاب البسيط ذو تعليم ثانوي لا أكثر، لقي في الكيمياء و الفيزياء والميكانيكا ضالّته، فراح يجرّب إلى أن اِخترع آلة تطير إلى مدى مسافةٍ ما سمّاها “صاروخا”.
 انتشى الشّاب و عائلته  باختراعه و قرّروا شدّ الّرحال من “القصرين” الى العاصمة لتسجيل براءة الاختراع. في هذه الأثناء كانت الاِنتخابات التشريعية والرئاسيّة في تونس على أشدّها، ومن سوء حظّه أن كان هواه معادٍ للفلول و من لفّ لفّهم، فانتقل من نشوة الاختراع زمن المرزوقي الى الاعتقال والمحاكمات زمن الرّئيس الجديد السّبسي، باعتبار اختراعه “ربّما” يسعى إلى دعم الإرهاب والإرهابيّين، فالشاب قصريني، و جبل الشّعانبي {معقل العمليّات الإرهابيّة} يقع في محافظته، وهذا “الصّاروخ” سيهدّد الأمن القومي إذا تمّ شراؤه من طرف الإرهابيّين. أخليَ سبيله بعد أشهر، وقامت معه أغلب قنوات الإعلام بـ”واجب” التّحقير والتّقزيم. ثمّ استأنف نشاطه الطبيعي كنادل في مقهى، و من حين لآخر ينشر فيديو من اختراعاته التي تبدو له هو لا أكثر، “فذّة”.
   صاحب التّوك توك المصري لم يخترع لا صاروخا و لا قنبلة واِكتفى بالإجابة على سؤال بخصوص تقييمه لوضع مصر الحاليّ من مذيع حاوره في الشّارع على حين غرّة. رغم ذلك تجنّدت الآلة الإعلاميّة لجَلْدِه بالتّشكيك في اِنتماءاته ونواياه بناء على مضمون ما قاله خلال دقائق، و لم يسلم حتّى معدّ البرنامج من الاتّهامات بنوايا التّشويش على الحكومة. فاجتهد الغاضبون عليه في تصنيفه في خانة ” الخطيرين” و”المتآمرين على استقرار البلد” و” المأجورين”… و بالطبع كلّها تُهم مُعلّبة تثبت عليه ” الأخونة”، مادام يُلقي باللّوم على الحاكمين الحاليّين وسياساتهم الفاشلة في الوصول بمصر إلى هذا الوضع الكارثي. سائق التوك توك كما شاهده الملايين نطق بكلام مسترسل ينمّ عن وعي مواطنيّ محترمٍ بحاضر وماضي بلده، ضمّنه آية قرآنيّة أجّجت اِستنكار محارب 
   بغضّ النّظر عن مآلات هذا الرّجل، يمكننا القول أن السّمة الطّاغية على غضب الإعلاميين و السياسيين الذين عابوا عليه ما قاله ودعوتهم الى اِعتقاله، جاءت في مجملها مبنيّة على أنّ الرّجل قال كلاما لا يمكن البوح به على الملأ، و في هذا اِعتراف بصحّة توصيفه طبعا. ثمّ إن اللّقب الذي قدّم به هذا الرّجل شخصه حين سأله المذيع عن مستواه التعليمي، أجاب: “خرّيج توك توك”، يصنّفه في خانة فئة اجتماعيّة لم تتعوّد إزعاج الحكّام بفصيح الكلام، بل سهُل حصر آمالها في الحياة بما لا يتجاوز سدّ الرّمق، أمّا التّعليم و تطوير الوعي المواطني فيعتبر رفاها يكاد يُرى مستحيلا. لهذا اِستحضرت مخيّلتي، تهكّما، تُهمة “الإفراط في الوعي” لهذا المواطن، نسجا على منوال تُهمة اِبن بلدي الذي فكّر فاخترع فأزعج السّلطات فنال ما تيسّر من أيّام السّجن جزاء تجاوزه مستوى التّفكير المحدّد له و لأمثاله.
   عموما، لئن شغل كلام صاحب التوك توك الناس، المعجبين منهم و الغاضبين المُتوعّدين، فإنّ الأمر يكاد يرى عاديّا في مجتمعات أخرى  و نحن في الألفية الثالثة التي أنعمت علينا ببحور من المعرفة و الثقافة التي لا تتطلّب إمكانيّات ماليّة عالية كما كانت من قبل و لا تجبرنا حتى على التنقّل من مكان إلى آخر. أبجديّات وعي بالزّمن، تُطلعنا على ما لَنا وما علينا كمواطنين في هذه المجتمعات كي لا نكون لقمة سائغة لدى حكّامنا.
“عَيْبُه” أنّه خرج عن صورة المواطن البسيط وأفتكّ بفصاحته مكانة مسؤولين سياسيّين و متعلّمين جامعيّين بشهادات عالية جدّا يتلعثمون و يقولون كلاما متقطّعا خاليا من المنطق أو مثيرا للسّخرية كما هو حال رئيس البلد السّيسي الذي “أفرط في الهذيان”.

_______________________

*كاتبة تونسية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة