ابتسام تريسي تكتب: نوبل للآداب بين بوب وأدونيس وفيفي عبده!

ابتسام تريسي*

لم يعد خافياً على أحد أنّ الجوائز في العموم لا تذهب لأصحاب الأعمال الجيدة وإن نفد بعض الكتّاب من تلك الاتهامات الموجهة إلى القائمين على الجوائز والرؤوس التي تدير تلك اللعبة الجهنمية التي تحرق الأخضر واليابس في طريقها، حتّى غدت ملعباً للمقامرة ليست فقط تلك التي تحمل اسم ألعاب شبيهة مثل “البوكر” بل شملت كلّ الجوائز حتّى نوبل! وإن صادف وأن أخذ الجائزة عمل يستحق أو كاتب يستحق من الناحية الأخلاقية والإنسانية ولرقي كتابه وسموه فذلك قد يبدو لجمهور القرّاء أشبه بغسيل الأموال لتلك الجوائز كي لا يستطيع الجمهور أن يثبت بالمطلق قذارة اللعبة السياسية وتدخل الصهيونية العالمية في مجريات الجوائز الكبرى كجائزة نوبل. وهي الأقرب إلى غسيل الأموال بدءاً من صاحبها نوبل الذي اخترع البارود وأشعل نار الحروب في الدنيا ثمّ أطلق جائزته -كما قيل- تكفيراً عن ذنبه فيما جرّه اختراعه على البشرية.
والمعروف أنّ جائزة نوبل لها عدّة فروع منها الآداب التي لم تمنح لعربي سوى نجيب محفوظ ورشح لها أدونيس منذ سنوات ولم ينلها.. ترشيح أدونيس يذكّرني بالترشيح الذي اقترحه بعض المثقفين المصريين لفيفي عبده بعد كتابتها ست روايات رومانسية وذلك في مسلسل “طائر الحبّ”. وبالتحديد عن روايتها “الطائر المغرّد”. وإن كان أمر الجائزة بيدي لمنحتها لفيفي عبده!
عندما ظهرت نتيجة الجائزة لهذا العام وقرأت اسم الفائز -ولم يكن أدونيس طبعاً- تساءلت ما وجه التشابه بين الأقانيم الثلاثة فيفي وأدونيس وبوب ديلان؟
في الصحافة التي صدرت يوم الخميس ظهر العنوان التالي (الفائز بجائزة نوبل في الآداب 2016 ملاحق قضائياً) عنوان مثير في “الوفد الإلكترونية”
أمّا لماذا لوحق ديلان قضائياً فهو الأمر الأكثر إثارة، الحكومة الفرنسية لاحقت ديلان قضائياً بسبب تصريحاته عام 2013 ضدّ “الكرواتيين” ولاحقته الحكومة بتهمتين “الإهانة، وإثارة الكراهية” وذلك لأنّه شبّه النزاع في البلقان باضطهاد النازيين لليهود! وقد وجّهت التّهم لديلان بشكل رسمي وسمعت أقواله فيها. واستدعاء ديلان للمحاكمة تمّ بعد شكوى قضائية تقدّم بها المجلس التمثيلي للجالية والمؤسسات الكرواتية في فرنسا.
لكنّ التصعيد حصل بعد مقابلة تُرجمت من الإنجليزية إلى الفرنسية ونُشرت في أكتوبر /2012/ في مجلة “رولينغ ستون” قال فيها: “كما أنّ السود يمكن أن يميزوا المتطرفين البيض، وكما أنّ اليهود يمكنهم أن يميزوا النازيين، كذلك يمكن للصرب أن يميزوا الكروات”. وكان قوله هذا في معرض إثباته لموقفه الداعم والملتزم بقضايا الحقوق المدنية للسود!
لقد وضع ديلان في حديثه ذاك البيض الفاسد والجيد في سلة واحدة وقام بخلط الأمور كما يفعل الحاوي الماهر.
عن بوب ديلان:
كتب عنه في كل مواقع التواصل والصحف أنّه “فنان أمريكي، مولود 24 مايو 1941.. يتمتع بحس شعري رفيع، كتب أغانيه بنفسه، حملت أغانيه تناصاً تاريخياً ومقدرة شعرية فذة! صنّفه الناقد الأدبي المشهور “كريستوفر ريكس” أحد أعظم الشعراء في التاريخ ووضعه بمقام الشاعرين “ملتون” و”كيتس”.
وقالت الأكاديمية السويدية المانحة للجائزة “إن ديلان” خلق تعابير شعرية جديدة في الأغنية الشعبية الأمريكية. نستطيع من خلال قصائد ظهرت في مواقع التواصل مترجمة إلى العربية أن نعرف بدقة تلك التعابير التي أشارت إليها الأكاديمية، بالإضافة إلى معرفة عميقة بتوجهاته السياسية التي كانت الداعم له في نيل نوبل والتي لم يستطع أدونيس الذي ساند السّفاح بشّار الأسد أن ينافس ديلان فيها فلم يكتب أدونيس حتّى الآن مديحاً لإسرائيل، أما مديحه للخوميني فلا يصب في مصلحته النوبلية، بينما نرى أنه من الطبيعي أن يكتب بوب ديلان مدائح لإسرائيل رغم أنه بغنى عن ذلك أنه ابن لمهاجرين أوكرانيين يهوديين، وهو بالتالي يهودي.
وقد اتّخذ السوريون من الأمر –كعادتهم- مادّة للتندر والفكاهة ولم يكن معظمهم قد سمعوا بديلان من قبل وقد كانوا بانتظار الفائز فقط من أجل معرفة إن كان أدونيس سيفوز بالجائزة بعد الحفاوة التي لقيها في السويد هذا العام.. فكتب أحدهم “ديلان الذي لا تعرفه خير من أدونيس الذي تعرفه”
لقد استقبل أدونيس في السويد وأقيمت له لقاءات وحوارات امتدحته واحتفت به بطريقة جعلت السوريين شبه متأكدين أنّ الجائزة ستذهب إليه.. وعمّ الشعور بالفرح مسبقاً هؤلاء الذين كانوا يتمنون أن يفوز بها، والشعور بالضيق من قبل الطرف الآخر الذي يرى في أدونيس المشجع والداعم للخراب في سوريا ولقتل السوريين لأنّ ثورتهم خرجت من المساجد وهذا ما يمقته أدونيس الحاصل على الجنسية الفرنسية بعد الجنسية اللبنانية.
 في نهاية المطاف يمكننا أن نقول لبوب ديلان (مباركة عليك هذه الجائزة) فقد يكون قد حقق نقلة في الوعي الإنساني الأمريكي -كما يقولون- ونحن في شرق المتوسط أكثر النّاس استشعاراً لهذه النقلة التوعوية الهائلة التي وضعت العالم حكومات وشعوباً على المحك الأخلاقي وأسقطت أقنعته المزيفة، نعم مباركة عليك الجائزة أيّها المغني فقد خلت الأرض من شعراء أو روائيين مبدعين. مباركة عليك الجائزة بوب، وحظاً أوفر للشاعر الطائفي مادح الوهابية في كتاب ومادح الثورة الإسلامية الإيرانية في قصائد عديدة، والهجّاء الأوّل للشعب السوري.

________________________

*كاتبة وروائية سورية
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة