عبد الحافظ الصاوي يكتب: بنوك الجزائر وخطيئة الخصخصة

عبد الحافظ الصاوي*

على الصعيد النظري هناك صور متعددة للخصخصة، ولكن التجربة العربية منذ منتصف التسعينيات لا تعرف إلا صورة واحدة وهي خروج الدولة من ممارسة نشاط معين لصالح القطاع الخاص، دون التحوط لاحتكار القطاع الخاص، أو استحواذ الأجانب على قطاعات مهمة بالاقتصاد القومي، أو تفادي المخاوف التي تتعلق بالأمن القومي.
بدأت مصر والمغرب وتونس الخطوات الأولى للخصخصة في منتصف التسعينيات، ثم تبعتها باقي الدول العربية، وكانت دول الخليج أخر الدول العربية إقدامًا على الشروع في الخصخصة، ولكنها تتبنى خطوات متسرعة، يخشى منها إحكام قبضة المستثمرين الأجانب على اقتصاديات الخليج.
وتناولت مؤخرًا بعض وسائل الإعلام عزم الجزائر على خصخصة قطاعها المصرفي، بما يتجاوز نسبة 49% لصالح القطاع الخاص، وأن الخصخصة ستتم عبر البورصة الجزائرية، وأن بيع حصص ملكية بنوك الجزائر لن يكون مقصورًا على الجزائريين، ولكن المستثمرين الأجانب سيجدون طريقهم للحصول على حصص من ملكية هذه البنوك عبر البورصة.  
 الدافع للخصخصة
من غير المعقول أن نقصر إقدام الدول العربية وآخرها الجزائر على برامج للخصخصة لمجرد تراجع العوائد النفطية، وإن كان هذا الأمر مؤثر بشكل كبير على اقتصاد ريعي مثل الاقتصاد الجزائري، يعتمد بنحو 60% من ناتجه المحلي على النفط، وأكثر من 95% من صادراته السلعية، وتضرره بتراجع احتياطياته من النقد الأجنبي إلى نحو 130 مليار دولار، بعد أن كانت قرابة 190 مليار دولار بنهاية عام 2014.
إن خضوع الجزائر للدخول في برنامج للخصخصة، يبدأ بقطاع في غاية الأهمية لأي اقتصاد، وهو القطاع المصرفي، ويأتي ذلك في إطار إرغام المنطقة على الخضوع التام لمنظومة الرأسمالية في جانبها الاقتصادي، دون الالتزام بضوابط الديمقراطية والحرية والمنافسة أو المحاسبة للحكومات، أو وجود مسئولية اجتماعية للقطاع الخاص.
وعلى المنطقة أن تتجرع سلبيات النظام الرأسمالي، وأن تدخل في دوامة اقتصادية، تساعد مع التفكك السياسي، على أن تعيش شعوب هذه الدول حالة من التيه الحياتي، فتبقى بلا دور ولا أثر.
إن الاعتراض على ما أعلن من إقدام الحكومة الجزائرية على تبني برنامج للخصخصة ليس حبًا في القطاع العام، أو معاداة للقطاع الخاص، ولكنه الثمار المرة التي لمسناها من تجارب عاشتها دول المنطقة على مدار أكثر من عقدين ونصف، فلا الحكومات حافظت على أصولها الرأسمالية، ولا القطاع الخاص مارس تجربة تنموية، ولا روعيت التداعيات الاقتصادية والاجتماعية السلبية، ولا حقق الوجود الأجنبي نقلًا لرؤوس الأموال لمنطقتنا، ولا وطن تكنولوجيا، ولا ساعد على زيادة الصادرات، أو ساهم في رفع معدلات تشغيل اليد العاملة.
فالاحتكار كان سيد الموقف، فتم استبدال احتكار القطاع الخاص باحتكار القطاع العام، وأوغل القطاع الخاص في ممارسة الفساد، وشارك المستثمرون الأجانب في استنزاف الموارد المالية والاقتصادية من المنطقة للخارج.
• أسوأ صور الخصخصة
لِمَ تذهب حكومة الجزائر إلى التخلص من قطاعها المصرفي، والذي لا يزيد عن نحو 6 بنوك؟ لماذا لا تفكر في خصخصة الإدارة، ولماذا لا تتبنى برنامجًا لإصلاح جهازها المصرفي، عبر برامج التدريب ورفع كفاءة العاملين بالبنوك العامة؟
ولماذا لا تسمح للقطاع الخاص الوطني والأجنبي بفتح بنوك جديدة، دون بيع بنوك القطاع العام مع التركيز على إصلاحها بشكل جاد، وتكون هناك منافسة بين القطاعين العام والخاص لصالح المواطن والاقتصاد الجزائري؟ ولماذا لم تبدأ بقطاعات أخرى في المجال الإنتاجي أو الخدمي، وتسمع للقطاع الخاص الأجنبي أو الوطني بإنشاء مؤسسات جديدة تضيف للأصول الرأسمالية للمجتمع، وتكون فرصة للقطاع المصرفي في الجزائر ليوسع من عملياته، بل قد يلجأ لزيادة رؤوس أمواله لمواجهة المتطلبات الجديدة للقطاع الخاص في المجالات الإنتاجية والخدمية.
إن تعليق كافة سلبيات الأداء الاقتصادي للجزائر على شماعة تراجع عوائد النفط، غير مقبول، في ظل تدفق هذه العوائد لأكثر من عقد من الزمن، كانت كافية لتمويل خطة تنموية تؤدي إلى وجود اقتصاد متنوع، أو تسمح ببناء قطاع خاص وطني بشكل بعيد عن الاحتكار أو الانتهازية.
• ضغوط الموازنة
عادة ما تفتقر خطط الخصخصة في الدول العربية إلى إعادة استثمار عوائد الخصخصة، حيث يتم وضعها لتغطية عجز الموازنة، عبر الإنفاق الجاري، وليت هذا التصرف يحمي الموازنات العربية من أزمة العجز، فعوائد الخصخصة في الدول العربية ومن بينها الجزائر، لا تعد من الإجراءات الهيكلية، فهي تتم لمرة واحدة، ثم ينقطع هذا المورد، لتمارس الحكومات فيما بعد الاقتراض من الداخل أو الخارج لسد عجز الموازنة.
وتتبنى الحكومات العربية وجهة نظر خاطئة، وهي نتيجة ملموسة من خلال تجربة الدول العربية، حيث لا تمارس هذه الحكومات دور مروج المشروعات، فبإمكان حكومة الجزائر أن تخصص صندوقًا لإعادة الاستثمار في مشروعات جديدة أخرى، ويتم خصخصتها بعد دخولها حيز الإنتاج أو الخدمة، شريطة أن يتم تنفيذ هذه المشروعات من خلال دراسات جدوى حقيقية، تغرى رؤوس الأموال المحلية والأجنبية بشراء حصص في هذه المؤسسات.
ولكن الفساد الذي تعد الحكومات العربية جزءا منه، يحرص على أن تبقى الأمور الاقتصادية مفتوحة بلا رقابة أو محاسبة، وأن تستمر المشكلات والأزمات ليُنسي بعضها بعضًا، ولكي يفقد المواطن العربي الأمل في وجود دور للحكومات لحل المشكلات أو التعامل مع قضايا المجتمع، فيتجه المواطن لتبني حلول فردية لمشكلاته، بغض النظر عن قانونيتها أو شرعيتها.
ختامًا أتوقع أن تكون تجربة الخصخصة برمتها في الجزائر، شقيقة أخواتها من التجارب العربية، من حيث الثمار المرة، وسوف يندم المجتمع الجزائري على التفريط في مؤسساته البنكية.
____________________

*خبير اقتصادي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة