ابتسام تريسي تكتب: نوبل للسلام والقبعات البيض

 ابتسام تريسي*

جائزتنا روحية وليست مادية هي شفاء الروح
هذه العبارة لمتطوعة في الدفاع المدني السوري من مدينة درعا، انتسبت لفريق الدفاع المدني بعد إحساس بالعجز سيطر عليها بعد استشهاد أخيها برصاص قناص استطاع منع كلّ من حاول التقدم لإنقاذه من عبور الشارع إليه حتّى نزف آخر قطرة من دمه وصعدت روحه إلى السماء.
الناشطة المدنية سارة الحوراني.

لم تمنح نوبل للقبعات البيض كما كان متوقعاً، لكنها منحت لرئيس كولومبيا: تاجر المخدرات كما كان متوقعاً أيضاً.. بهذا البوست اختصر الشاعر خضر الأغا الموقف العام لهذه الجائزة.
ولم أشكّ للحظة واحدة أنّ جائزة نوبل يمكنها أن ترقى لمستوى أصحاب القبعات البيض في سوريا لتمنحهم جائزتها للسلام.
فمن المعروف عبر تاريخ الجائزة أنّها منحت _في الغالب_ لمجرمين أشهرهم اسحق رابين وشمعون بيريز، ومناحيم بيغن وأوباما، بالإضافة إلى مهندس الحروب الحقيقي بين إسرائيل والعرب “هنري كيسنجر” والذي كان السياسي الأشهر في القرن الماضي في مباحثاته مع الحكّام العرب وجولاته في الشرق الأوسط التي انتهت باتفاقية كامب ديفيد، ومن نافل القول إنّ الصحفية الفرنسية دانيل أونيل كتبت عنه كتاباً بعنوان “عزيزي هنري كيسنجر” ووصفته بأنّه فوضوي وقذر ولا يحبّ النساء، ومن يكن بتلك الأوصاف في حياته الخاصة لن يرقى ليكون سياسياً نظيفاً في حياته العامة.. فكيف تمنح مثل هذه الجائزة لملائكة يضعون أرواحهم على أكفهم ويقتحمون المخاطر لإنقاذ أرواح الآخرين؟
جائزة نوبل لم ترقَ ولن ترقى إلى مستوى النبل الذي يتمتع به أفراد الدفاع المدني في سوريا، لأنّها جائزة تحكمها سياسات غير نظيفة ولها توجهات تبعدها عن المصداقية أولاً وعن العدالة في الاختيار حتّى في المجال الأدبي الذي يخضع فيه الأدب للجانب السياسي قبل كلّ شيء.
عن القبعات البيض:
المشهد الذي لا يمكن أن ينساه صاحب ضمير حي والذي انتشر بفيديو في مواقع التواصل الاجتماعي، إنقاذ أحد أفراد الدفاع المدني لطفلة عمرها شهر من تحت الأنقاض في الغارات التي استهدفت مدينة إدلب في التاسع والعشرين من شهر سبتمبر يوم الخميس والتي شهدتها لوجودي في المدينة في تلك اللحظة. الشاب الذي أنقذ الطفلة كان يحتضنها ويبكي كما لو كانت طفلته، المشهد أصعب من أن يوصف بكلمات، فتلك الأحاسيس لا يشبهها سوى قلوب الأمّهات..
هؤلاء الذين يخرجون الأطفال والنساء والشيوخ من تحت أنقاض منازلهم وتدمع أعينهم عندما يكتشفون أنّهم أحياء ليس هدفهم أن يتكلّم عنهم المجتمع الدولي، وليس هدفهم الوصول إلى جوائز بل كلّ همهم أن ينخفض عدد الأموات نتيجة المجازر التي يرتكبها السفّاح بشّار الأسد ومن يدعمونه.
وليس غريباً أبداً أن يأتي اليوم الذي نرى هذا السّفاح وقد نال جائزة نوبل للسلام أسوة بأقرانه السابقين في حال تصالح مع (شعبه) كما فعل الرئيس الكولومبي.

في مقابلته الأخيرة مع وكالة الأسوشيتد برس، قال الأسد في رده على سؤال حول قصفه للمستشفيات في المناطق المحاصرة:
“الأمر لا يتعلّق بأصحاب القبعات البيض إن كانوا أصحاب مصداقية أم لا، لأنّ بعض المنظمات مسيسة لكنها تستعمل أقنعة ومظلات إنسانية مختلفة لتنفيذ أجندات معينة وحسب”. سأله الصحفي: هل يمكن أن تدعمهم للحصول على جائزة نوبل؟
الأسد: من؟
الصحفي: أصحاب القبعات البيض؟
السفّاح: ما الذي حقّقوه في سوريا؟ وما مدى خلو جائزة نوبل من التسييس؟ هذا هو السؤال الآخر”.
وضحك تلك الضحكة المتقطعة الصفراء التي تشي بمدى اختناقه بالسؤال المحرج، لكنّ تعبير وجهه بقي سمجاً مصمتاً حين أضاف: “لكنّي يمكن أن أمنح جائزة نوبل لأيّ شخص يسعى للسلام في سوريا بمنع الإرهابيين من التدفق نحو سوريا وحسب”.
اللافت في كلامه أمران، الأوّل تقييمه للجائزة بأنّها مسيسة، ووضعه لنفسه مكان المانح للجائزة الذي يعرف كيف يختار من يستحقها! فهو حتماً لن يختار من قدّم 146 شهيداً” و “450” جريحاً.. بل سيمنحها لمن قام بقتلهم.
في هذه الساعات من يوم الجمعة 7 أكتوبر والناس مشغولون بالتحليل والتعليق على الجائزة، يستمر أصحاب القبعات البيض في عملهم من دون أن يلتفتوا إلى تلك الأخبار فأيامهم مزدحمة بالقصف والدمار من حولهم والأرواح العالقة تحت الأنقاض. ليس خبر استشهاد عنصر الدفاع المدني في مدينة داعل التابعة لدرعا “محمد نصيرات” وهو يقوم بعمله في إنقاذ الناس من تحت الأنقاض سوى شهادة على أنّ أصحاب القبعات البيض لا تعنيهم نوبل للسلام وكلّ طموحهم أن يمنحوا الحياة لأناس يصرّ السّفاح الأسد ومن ورائه روسيا وإيران وميليشيات حزب الله والتحالف على إبادتهم عن بكرة أبيهم. ومع كلّ هذا الانشغال بالبحث عن ناجين تحت الأنقاض لم تنسَ هذه المنظمة الإنسانية “منظمة الدفاع المدني” أن تبارك لمن فاز بالجائزة تعبيراً منهم عن سمو أخلاقهم وعلو شرفهم وترفعهم عن المكاسب الأخرى، فالمكسب الأهم لديهم إنقاذ روح علقت بين الأنقاض.

________________

*كاتبة سورية
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة