مقالات

د. نور الدين العلوي يكتب: من خرب الربيع العربي ؟

المنصف المرزوقي هو السياسي الوحيد الذي قبل التعايش مع الإسلاميين والتعامل معهم. وقد أقصي بدوره بسبب هذا الموقف بالذات حتى أن حليفه الإسلامي قد تخلي عنه خوفا من الظهور معه في الصورة

د. نور الدين العلوي*

الحديث عن التخريب حديث متشائم. ينفي مكتسبات الربيع العربي على قلتها.وربما يقرأ كمزايدة مثالية تخفي جهلا بحركة التاريخ الواقعية. لكن الوقائع التي نرى لا تفتح بابا كبيرا للتفاؤل أمام التحليل ليكبر المكتسبات التي لم تثبت بعد على الأرض وقد يرتد عنها الناس لأنها أقلَّ مما أملوا من الثورة التي قطفت أرواح أبنائهم. فبعد خمس سنوات من الممارسة السياسية الحرة التي أعقبت القمع السياسي والأمني لكل الطبقة السياسية والمثقفين يحق لنا طرح الأسئلة لماذا نراوح بعد أمام باب الديمقراطية ونرى علامات التخريب ولا نتفاءل بالبناء.
  مشاريع تتصارعُ أم تتجمَّدُ؟
لم يمكن ولا يمكن أن نعزل الخلافات الفكرية التي قسمت النخب إلى صفين متناحرين عن الصراع التاريخي حول البدائل ونمط المجتمع المرغوب.  لذلك فالتشخيص التاريخي لأزمة الربيع العربي (وهو يعيش أزمة فعلية) يعيدنا إلى زمن النهضة العربية الأولى. لنؤكد أن الخلاف حول المستقبل المرغوب قد دمر الحاضر. صورة المجتمع الذي يريده العرب لأنفسهم موضع خلاف بين نخب تربت على مشارب متناقضة. وهناك اتجاهان غالبان تختفي داخلهما تفاصيل فرعية.
الاتجاه الأصولي الإسلامي بتنويعاته التنظيمية وعصبه المركزي تنظيم الإخوان المسلمين ومن تفرع عنهم وظل في فلكهم كحركة النهضة التونسية وحزب العدالة والتنمية المغربي وإلى جانبهم تيارات السلفية الدينية وفيها السلفي (العلمي) الذي يرفض العنف المادي والسلفي الجهادي الذي بلغ شأوا كبيرا في العنف والتدمير. يلتفت هذا التيار في مجمله إلى إسلام أول طاهر يريد استعادته وفرضه بالموعظة الحسنة أو بالعنف الشديد. ويبني لذلك صورة مجتمع إسلامي مناقض لما يراه تغريبا وتفسخا. لكن هذا التيار ظل دوما يرتبك أمام مسألة الحكم وبناء المؤسسات وطرح البديل التنموي .
الاتجاه التحديثي وفيه تنويعات كثيرة منها اليساري والقومي العروبي ومنها الليبرالي ويقدم صورة مجتمع مشابه أو مطابق للمجتمع الغربي المزدهر ماديا بفعل القطيعة مع الدين والتدين باعتبارهما مصدر التخلف في المنطقة العربية الإسلامية.
لقد حكم التيار الثاني منذ الاستقلال (الخمسينات) وبنى مؤسسات الدولة الحديثة ولكنه فشل فشلا ذريعا في بناء الديمقراطية السياسية وانجاز التنمية الاقتصادية والاجتماعية وكان أكبر ضحاياه التيار الأول الذي ملأ السجون والمنافي.
وكان الربيع العربي في دوافعه الأساسية ردّا على هذا الفشل وتبين أن الشارع العربي الإسلامي وغيره قد فقد الأمل في هذا تيار التحديث الحاكم خاصة ورغب في الخروج عنه. لكن لم يطلب في المقابل أن يكون تحت حكم التيار الإسلامي رغم التصويت له. في هذا اللحظة التاريخية برز التياران إلى ساحة السياسة يتصارعان على من يحكم ما بعد الربيع وتبين الخلاف العميق بينهما. وبين المجتمعين المرغوبين. وعاد النقاش إلى البدايات.أي مجتمع نريد؟ هنا كانت أزمة الربيع العربي التي تخرب المستقبل.
أهم خلاصة يمكن التمسك بها الآن هي أن صورة المجتمع المرغوب غير مكتملة لدي التيارين. ولأنهما عاجزان عن بلورتها فقد ارتدت حالة المجتمعات وأجهزة الحكم إلى ما قبلها أي إعادة تحكيم التيار التحديثي وبأسلوبه القديم.(انقلاب عسكري في مصر على أول تجارب الديمقراطية وانتخابات مغشوشة في تونس أعادت النظام القديم إلى سدة الحكم فيما يبدو المغرب بمنجاة من هذه الردة حتى حين).
لماذا لم تكتمل الأفكار والبرامج والمشاريع حتى فاجأها الربيع العربي؟  طبعا يمكن إلقاء العبء على الأنظمة التي منعت ذلك ولكن ما مقدار مسؤولية النخب والمفكرين في تأخير بلورة أفكار جامعة ومؤسسة للديمقراطية ؟
الاصطفاف الإقصائي مستمر
لقد حصلت الاصطفافات السياسية الداخلية منذ انطلاق الربيع على قاعدة اختلاف المشاريع فوجدنا الصف الإسلامي وحيدا يقف في مواجهة  الصف الحداثي بكل أطيافه رغم عدم انسجامها الكلي. (يشكل حزب النور المصري استثناء غريبا في هذا المشهد) وخيضت الانتخابات الأولى بين المشروعين. ثم خربت التجربة على نفس القاعدة إذ وجدنا اليساري والقومي يقفان مع العسكر في مصر ومع النظام القديم في تونس (وهو نظام عسكري مموه) فدحر الإسلامي من الحكم وذبح في الساحات بمباركة يسارية وقومية. كما تحددت التحالفات الخارجية مع الإسلاميين أو ضدهم وبلغ الأمر لإسقاط خصوم الداخل وتصفيتهم أن اصطف اليسار الراديكالي مع أنظمة الخليج وتمول منها وهي التي عاش ينعتها بالرجعية. بما ثبت قناعة بائسة هي أن قيام اتفاق سياسي بين المشروعين هو محض هراء. رغم ما تزين به التجربة التونسية من جوائز عالمية. فقاعدة الاصطفاف لم تتغير. ولكنها اتخذت أساليب مختلفة لغياب مؤسسة عسكرية  قوية قادرة على تصفية الصف الإسلامي في تونس.
هذه القناعة الجليِّة الآن هي التي نراها وراء تخريب كل تجربة الربيع العربي وهي تبلغ قمتها في سوريا التي دمرتها الحرب لأن الزعيم القومي يرفض أي تصالح أو حوار مع الشق الإسلامي قد يفضي إلى تشريك الإسلامي في الحكم. لقد فضّل دفع بلده إلى حرب أهلية مدمرة على أن يقتسم سلطة حصل عليها بانقلاب عسكري.
هل يشكل المثال التونسي مخرجا للمشروعين ؟
يطيب لإسلاميي تونس (المنظور اليهم كاستثناء) تزيين ذلك للناس. وينصحون لإخوانهم اتباع طريقهم لكني من قلة ترى ما يجري تأجيلا لمعركة جذرية ودموية لا بناء لتفاهمات تاريخية بين الإسلام والديمقراطية. فظاهر الأمر أن هناك تحالف بين شق ليبرالي حداثي وشق إسلامي ولكن الواقع يكشف أن التفاهم التاريخي ليس الا إلحاقا لا يخلو من إذلال للإسلامي بالمشروع الحداثي الذي لم يغير مسلماته الثقافية ولا السياسية بل راوح مكانه مستعملا كل سلطاته لإخضاع الإسلامي وتفريغ مشروعه. ودليلنا أن الإسلامي يتلقى الآن طلبات من قبيل تغيير اسمه وهيكلته والتخلي عن عمقه بدعوى القبول بالديمقراطية. وقد فعل ذلك سابقا فلم يقبل منه وسيقع في ذلك ثانية ولن يقبل منه فالمسألة مسألة وقت حتى يستعيد الشِّق الحداثي عافيته السياسية والاقتصادية بعد الرَّجة التي أحدثها الربيع.
اللَّحظة الراهنة تعيد كشف الماضي وجمود الأطروحات التي قادت الفكر والعمل منذ مائتي سنة وتثبت أن الحداثي لم يطور أطروحته الفكرية في اتجاه القبول الفعلي بالمختلف. بل يرابط عند نموذج مجتمع يراه في الغرب ويريد نقله كما هو رغم فشل نصف قرن في تمرير ذلك بقوة الدولة. ولذلك فهو يخوض معركة فرض سلوكيات متناقضة مع موروث ينعته بالتخلف والرجعية مثل حرية استهلاك المخدرات والحرية الجنسية وهي مواضيع تشكل استفزازا للإسلامي الذي يجد نفسه مجبرا على إجازتها حفاظا على حياته(أي الحد الأدنى للبقاء). في نفس الوقت يهرب من الاستحقاقات الاجتماعية التي فرضتها الثورة. ولا يجد الإسلامي بدا من مماشاته.
الاستثناء الوحيد والذي يؤكد تحليلنا هو حالة الدكتور المنصف المرزوقي السياسي الوحيد الذي قبل التعايش مع الإسلاميين والتعامل معهم بصفتهم طرفا وطنيا جديرا بالحياة والمشاركة. وقد أقصي بدوره بسبب هذا الموقف بالذات حتى أن حليفه الإسلامي قد تخلي عنه خوفا من الظهور معه في الصورة.
هنا نجد الإجابة عن السؤال الأول من خرَّب الربيع العربي وأفشل تطوير مشروعي التأصيل والتحديث وتكاملهما؟ مائتا سنة من المراوحة في مكان واحد كأن الوطن العربي كله يركب حصانا خشبيا في “محلَّك سر”. ولكن رغم ذلك فإن التاريخ لن يتوقف عند الفشلة بل سيمرُّ على جثث الواقفين نحو أفق لا تسمح معطيات اللحظة بتوقع شكله ومضامينه. كل ما يمكن قوله أن التنافي مازال مستمرا وأنه سيفتح على المزيد من الدم.

___________________________

*كاتب تونسي  

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة