سمير العركي يكتب: في أزمة الإخوان .. الجذر والمآل

سمير العركي*
لم أتفاجأ نهائياً من تفجر الخلاف داخل جماعة الإخوان المسلمين بهذه الصورة الحادة غير المسبوقة من حوالي ستة عقود ، إذ يدرك كل متابع للتطورات الحادثة داخل الجماعة أنها مقبلة على تغيرات هامة على المستويين الفكري والإداري ، اتساقاً مع الحالة المصرية التي تمر بتفاعلات وتقلبات حادة منذ تفجر ثورة يناير 2011 ازدادت حدتها مع صعود الثورة المضادة في نهاية يونيو 2013 ، وإعلان انتصارها ببيان انقلاب الثالث من يوليو من العام ذاته ، وهي لحظة انكسار حادة تؤدي إلى تغيرات كبيرة داخل المجتمعات والتنظيمات على مستوى الأفكار والروابط الاجتماعية والعلاقات الإنسانية  والترتيبات الإدارية، رأينا مثلها عقب انهيار الاتحاد السوفيتي ، وعقب أحداث سبتمبر 2001، وسقوط بغداد 2003 …إلخ
 وجماعة الإخوان ليست استثناء فكان من الطبيعي أن تتعرض لذات التقلبات وبنفس الحدة مهما حاولت الاحتماء وراء جدر التنظيم الحديدية أو الاعتماد على مكانته المعنوية داخل نفوس الاتباع ، وهو ما كان ينبغي أن تفطن إليه قيادة الجماعة التي تولت الزمام قبل الانقلاب فتتقدم طواعية باستقالتها مفسحة المجال أمام قيادة جديدة ، لكن الذي حدث عكس ذلك ما أدى إلى تفجر الأمور على النحو الذي نتابعه .
أزمة عاتية طرحت العديد من التساؤلات الهامة حول طبيعتها ، ومستقبل الجماعة في ضوء تطوراتها .
ومن هنا فإن تفكيك الأزمة لمحاولة فهمها يستلزم منا العودة إلى جذورها الأولى، والنظر في مآلاتها  المستقبلية المرشد الثاني وبدايات الأزمة :
يمكننا تلمس جذور الأزمة التي أعاقت جماعة الإخوان طويلاً عن أداء دورها المرسوم لها من قبل مؤسسها الأستاذ/حسن البنا – رحمه الله – والذي جاء رداً على سقوط الخلافة الإسلامية عقب وفاة المرشد المؤسس ، وإسناد مهام رئاسة مكتب الإرشاد إلى المستشار  حسن الهضيبي – رحمه الله – الذي لم يستطع بناء رؤية حقيقية وواقعية في التعامل مع مجموعة من ضباط يوليو الذين كانوا يفتقدون ليلة 23 يوليو 52 أي رصيد جماهيري مقارنة بالإخوان الذين لم تكن تخلو منهم قرية مصرية ، كما أن طبيعة التكوين الثقافي والمهني للهضيبي منعه من الإقدام على خطوات أكثر جرأة في التعامل مع عبد الناصر ورفاقه ما مكن الأخير من التلاعب بالتنظيم الأقوى والأكثر شعبية على مدار عامين من 1952 إلى 1954 تمكن فيها من تثبيت أقدامه ، وإمساكه بخيوط اللعبة في يده خاصة فيما يخص الأجهزة الأمنية والجيش في وقت تفجرت فيه الساحة الداخلية للإخوان بالصراع  ، حتى تمكن من البطش الشديد بالتنظيم بعد ذلك في محنة استمرت زهاء عشرين عاماً أثرت تأثيراً واضحاَ على الرؤية المستقبلية للإخوان فيما بعد وجعلتهم أكثر جنوحاَ إلى الاتجاه المحافظ المنكفأ على الذات والتنظيم ، والذي لم يعد مشغولاً بمواجهة الأنظمة الشمولية الاستبدادية إلا من خلال القنوات التي سمحت بها تلك الأنظمة وأمسكت بمفتاحها في يدها ، كما كان يحدث سنوات حكم مبارك حسب الظروف الإقليمية والدولية .
كما طبعت محنة الخمسينات السلوك العام للجماعة بالميل صوب الانعزالية الجماعية ، واعتبار التنظيم فضاءً مغلقاً على أعضائه والنأي عن أي أزمات مع السلطة الحاكمة قد يفضي إلى صراع جديد يكرر المحنة القديمة خاصة وأن الذين تولوا شؤون الجماعة منذ خروجها من السجن في السبعينات وحتى الآن هم من الذين عاشوا سنوات الشدة الناصرية والتي تركت أثرها النفسي عليهم .
كان يجب على الجماعة أن تدون شهادتها على سنوات الصراع مع ناصر ورفاقه، شهادة تلتزم الصدق والموضوعية، لكن الذي كتب بعدها كان يدور في إطار إعلاء فكرة “المظلومية ” على حساب قيمة ” المحاسبة” ما أدى إلى الوقوع في أخطاء مشابهة عقب ثورة يناير 2011 أدت إلى محنة أشد وقعاً من محنتها الأولى .
مآلات الأزمة .. التجديد أو التفكك :
يخطىء من يظن أن الأزمة المتفجرة داخل الجماعة الأن هي خلاف بين السلمية والعنف ، أو بين الشباب والشيوخ ،أو أنها نجمت عن عدم احترام اللوائح من هذا الطرف أو ذاك !
فالأزمة أعمق من كل هذا ، ومن هنا فإن ما تقوم به الجماعة الآن من إجراء انتخابات داخلية ما هو إلا إضاعة للوقت وهدر للجهد، وحرف لبوصلة الحل عن مسارها الطبيعي ، فمهما كانت نتيجة الانتخابات فلن تستطيع لم الشمل لأننا هنا أمام فكرتين متضادتين تماماً الأولى تصر على الرجوع بالتنظيم إلى حالة التقوقع والاكتفاء بما قدمه للثورة من يناير2011 حتى الآن والاهتمام بترميمه ومعالجة آلامه استعدادا لجولة أخرى !!!
أما الرؤية الثانية فتصر على استكمال الثورة ، وتعتبر أنه من غير المعقول أن ينسحب الإخوان من المشهد بعد أن وضع الشعب المصري ثقته فيهم وأسلمهم زمام الثورة ، كما أنها تحمل للطرف الآخر مسؤولية الإخفاق الهائل الذي أصيبت به الجماعة بعد وصولها لسدة الحكم  لأول في تاريخها ، كما يرى أصحاب هذه الرؤية أنه كان ينبغي إجراء محاسبة صارمة لكل الذين تسببوا في هذا الإخفاق بدلاً من إضاعة الوقت في الحديث عن لوائح إدارية وترتيبات تنظيمية ليس هذا وقتها ولا محلها.
هاتان الرؤيتان سوف يفضيان إلى عدد من الرؤى حول مستقبل الجماعة بناء على ما سيستقر عليه الوضع داخلياً ..
 فإما أن تنجح الجماعة في تجديد هياكلها ورؤاها ومجمل أفكارها مما يمكنها من استعادة عافيتها ولياقتها الثورية. وإما أن تنجرف نحو مستنقع الانشقاقات والانهيارات الحادة ..وهو ما لا يتمناه كل محب لها .

____________________________

*كاتب مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة