داليا الياس تكتب: خط الإنسانية المعطل!

لا تتوقع من الحكومة أن تلزم أحدهم بصدقة التبسم في وجه أخيه، ولا تتوقع أن يتعلم أبناؤك الرحمة والبر والإحسان في المدارس وفق المنهج الموضوع حكومياً. إن الحكومات يا صديقي منشغله بما هو دون إنسانيتنا

داليا الياس*

يتشدق الإعلام العربي دائما بمصطلحات رنانة، بعضها أصبح معروفاً ومتداولاً بين الناس ومسلماً به ولا يحدث أي تأثير يذكر من فرط الاستهلاك، والجميع الآن بات يعلم أن السواد الأعظم من العرب يقع تماما (تحت خط الفقر) وربما بمسافة بعيدة جدا”!
هذا الخط لا مكان له على الخريطة ، تماماً مثل خط الاستواء الذى نتلظى بجواره نحن أهل السودان ولا مكان له على أرض الواقع أيضاً، ولكن يمكنك أن تراه بوضوح في الأسواق والطرقات والمشافي والمدارس والبيوت؛ له ملامح تحملها الوجوه البائسة الحزينة…والأجساد الواهنة المنهكة…والباعة المتجولون على الطرقات…والمتسولون المتزايدون كل صباح…والأطفال المتسربون من مقاعد الدراسة…والأمهات اللائي يفقدن حياتهن عند الولادة لعدم وجود رعاية صحية كافية
لست اليوم بصدد الحديث عن الفقر ومآلاته وأبعاده وصوره، فالجميع بإمكانه أن يتحدث عنه حديث العارفين، وكثيرون لهم معه صولات وجولات وحكايات. ولكنني سأتحدث عن (خط الإنسانية)…وهو الخط الذى لا نقع تحته ولا فوقه لأنه لا وجود له أساساً في واقعنا العربي المعاصر
فالإنسانية تتبدى في أبسط صورها في العدل والرحمة والاحترام…وهى القيم الثلاث التي لا يمكنك أن تجزم بتداولها بين الناس في بلادنا…والتي فشلت الحكومات في توفيرها أو تعليمنا إياها أو فرضها قسراً كما يحدث في الكثير من بقاع الدنيا حتى صارت بمرور الأيام سلوكاً أصيلاً للشعوب!
وستعلم البعد الحقيقي لكلامي هذا إذا قدر لك أن تعبر – مثلاً- مطار الخرطوم لتحط رحالك في مدينة ما قد لا يتجاوز عمرها الأربعين عاما منذ بدأ يدب فيها العمران!….ولكن لأنهم جعلوا الإنسان أولاً فقد نجحوا في توظيفه كما يجب طائعاً مختاراً وبكل حماس، ليبني نهضة عمرانية مدهشة ويؤسس للحياة في أبهى صورها
هنا لدينا وزارة كاملة يتغير اسمها كل حين تعني بالموارد البشرية ولا أرى أثراً لمهام حقيبتها الوزارية على الإطلاق!!….هنا…لاوجود للابتسام أو سرعة الأداء أو الإخلاص في العمل في أي مرفق تتعلق به تفاصيل حياتك اليومية، الا على نحو فردى فقط لأن أحدهم كان بفضل ربى (ود ناس) وكان هذا هو أسلوب تربيته وحياته.
أما أن يفرض عليك النظام ضرورة الالتزام بقضاء حوائج الناس بذمة وضمير وإتقان، فلا تنتظر ذلك في السودان وربما في دول عربية أخرى!!
في الخارج تفرض الغرامات على كل صغيرة وكبيرة تمس إنسانيتك حتى ولو لم تكن من مواطني تلك البلاد فيكفى أنك في حماها وتدعم اقتصادها
في الداخل يقوم الاقتصاد على أكتافنا وتخرج علينا الجهات المعنية كل صباح بجباية جديدة…وكلما استشرى الفساد في المال العام حكموا علينا بشد الحزام
وإذا قررت يوماً إجراء معاملة حكومية أو استخراج ورقة رسميه فأستعد لإهدار يومك والأيام التي تليه في اللهاث بين المكاتب والموظفين الساخطين، وكذلك الحال في المحاكم…وأقسام الشرطة…والمستشفيات… حيث يسيطر الخوف على مشاعرنا وتصرفاتنا حتى وإن كنا أصحاب حق واضح…فالسلطات هنا لا تفرق بين الناس… فتمارس سطوتها على الجميع… ترويعا وتقريظا وتهكما.
أصبحنا نفتقر الى الشعور بالأمان، لأننا نعلم أننا قد نقع في أي لحظة تحت طائلة العقاب أو الإهانة دون تحر أو تمحيص…وبعدها…وعندما يتضح أنك مظلوم. فلن يكلف أحدهم نفسه مشقة الاعتذار
غالبيتنا نساهم بقدر وافر في محو خط الإنسانية  من حياتنا…معظمنا ندور في دائرة مغلقه وكما ندين ندان…معظمنا لا يجيد فن التعامل الإنساني ويفتقر لثقافة الاعتذار والتسامح والتجرد والإتقان والمسؤولية
لذلك سنظل نرزح طويلا تحت وطأة الظلم والتهاون والاستياء والخوف والرغبة في الفرار أو الهجرة
الأمر يحتاج وقفة مع النفس، لنعلمها أبجديات الإنسانية والوطنية وتقوى الله…يحتاج أن نبادر بالعطاء لننتظر المنح…يحتاج أن نرحم بعضنا البعض مادامت أقدارنا قد كتبت علينا من لا يرحمنا…نحتاج أن ننشط مضامين الإنسانية بداخلنا ونمارسها عمليا من داخل بيوتنا ثم تكبر الدائرة وتنداح للمجتمع قاطبة
والشاهد أنه حتى تصبح إنساناً سويا يجب أن تقلع عن تواكلك…أرجو الا تنتظر عربة النفايات لتميط الأذى عن طريقك…ولا تتوقع من الحكومة أن تلزم أحدهم بصدقة التبسم في وجه أخيه…ولا تلق أعباءك الحميمة على الجهات المسئولة وتتوقع أن يتعلم أبناؤك الرحمة والبر والإحسان في المدارس وفق المنهج الموضوع حكومياً
 إن الحكومات يا صديقي منشغله بما هو دون إنسانيتنا
_______________________________

* كاتبة سودانية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة