سمير طاهر يكتب: شيء من الخوف

سمير طاهر*

عندما تناقلت وكالات الأنباء مشاهد البكاء الحار والمبالغ فيه لمواطني كوريا الشمالية على موت الديكتاتور السابق، ومشاهد تكرار مهرجان البكاء هذا كل سنة، كان المشاهدون في كل أرجاء العالم يعلمون بأنها مشاهد لأقسى حالات الاذلال الجماعي.

إنها عملية سادية يعرض فيها الديكتاتور مواطنيه “الميتين من الخوف” على شاشات العالم، حيث الموظف أو العامل أو الجندي “يقطّع نفسه” من البكاء ما أن يرى الكاميرا تقترب منه، وحتى حين لا يرى كاميرا قريباً منه فهو واثق من أنها مخبأة في مكان ما لكي تراقبه هو بالذات، وإلا فهو مقتنع تماماً بأن زميله الذي على يمينه والآخر الذي على يساره والثالث الذي خلفه يعدون عليه أنفاسه وينقلون ما يصدر عنه الى السلطات.

هو متأكد من هذا مثلما إن كل واحد من زملائه هؤلاء متأكد من أن البقية يراقبونه، وهكذا يخاف الجميع من الجميع. بل إني أتذكر برنامجاً تلفزيونياً أوروبياً عن حوادث الطبيعة في آسيا، حيث زار معدو البرنامج قرية نائية في كوريا الشمالية وسألوا فلاحاً منها أن يصف الفيضان الذي كان قد حدث في القرية منذ فترة، فقال الرجل إنهم عند بدء الفيضان أخرجوا أغراضهم من البيت ثم استدرك قائلاً: “وطبعاً أول شيء أخرجناه هو صور قادتنا المعلقة في البيت فهي أهم شيء عندنا”! لقد ظن الفلاح المسكين أن كل ما يقوله أمام الكاميرا سوف يسجل وينقل الى السلطات.

إن ما يعيشه مواطنو كوريا الشمالية اليوم لم يتخيله جورج أورويل وهو يكتب رواية 1948، ولا عبد الرحمن منيف وهو يكتب رواية “شرق المتوسط”، ولا نعمات البحيري وهي تكتب رواية “أشجار قليلة عند المنحنى”،  ولم يخطر لأي ديكتاتور أن يصنعه بشعبه. إنه وضع ظلامي ما زال حاضراً ليذكرنا بالخوف الذي فرضته علينا أنظمة البطش في بلداننا وأكل أجيالاً منا. إنه كابوس يفوق كل الكوابيس الماضية.

إن هيمنة الخوف على الناس لا تأتي تلقائياً أو دون قصد، إنها عملية مقصودة دائماً. فهناك نظرية عند بعض الأنظمة مفادها أن تخويف الشعب شيء ضروري لتثبيت النظام، فإحساس المواطنين بعدم الأمان هو ما يعطي الحاكم شعوراً بالأمان. كما إن بعض الحكام ما يزالون يعتقدون بأنهم بحاجة إلى تنفيذ مخططهم السياسي أو الاقتصادي دون أن “يشوّش” عليهم أحد، فيكون الحل لديهم هو خلق جو قمعي في البلاد يؤدي بدوره إلى زراعة الخوف في نفوس الناس. لهذا حصل في مرات كثيراً أنه عندما كان بعض الحكام ينوون القيام بخطوة سياسية أو اقتصادية قد تثير ضجة، كانوا يمهدون لتلك الخطوة بأن يختلقوا حجة لشن حملة قمعية لكي يسكتوا أصوات المعارضة مسبقاً. 

لا حاجة الى تأكيد خطأ نظرية تخويف الشعب فلم يحصل حتى اليوم أن أنقذت هذه النظرية حاكماً من السقوط، بل وكثيراً ما كانت سبباً في مصير سيء للحاكم، ولدينا في أنور السادات وصدام حسين مثالان على أن سياسة التخويف لن تصنع شعباً طائعاً، إنها تصنع أعداء فحسب. فقد قيل إن الذي قتل السادات هو حملته الأخيرة التي كان عنوانها سحق الجميع، فامتلأت المعتقلات بالآلاف من كل تيارات المعارضة بلا استثناء، حتى أصبح التخلص منه فيه راحة للجميع.

ان الخوف طاقة سلبية مؤذية عند الفرد فكيف إذا شمل شعباً بأكمله؟ إنه يمنع من التقدم، ومن الإبداع، بل ومن ممارسة المشاعر الإنسانية السوية حيث لا حب مع الخوف كما قال الشاعر صلاح عبد الصبور.

الخوف قابل لأن يصير مصدراً لنزعة العدوان. وكان علماء قد توصلوا الى أن ما يدفع سمك القرش إلى مهاجمة القوارب هو ليس الرغبة بالقتل وإنما الخوف، فتبدو له القوارب أنها تهدده بأشكالها وحركتها وهدير محركاتها، ويبدو له الإنسان دخيلاً غريباً يهدد بيئته، ولهذا يبادر إلى مهاجمة القوارب والبشر كنوع من الدفاع عن النوع والبيئة. إن هذا هو بالضبط ما يحصل مع البشر، فالإنسان يخاف من أن يكون خصمه أقوى منه ويغلبه، وهذا الخوف يدفعه إلى مبادأة خصمه بالأذى لإضعاف قوته فيعجز عن إيذائه. إنه هجوم جوهره الدفاع عن النفس، أو عن المصلحة الشخصية. هكذا يحصل في خصومات الناس العاديين، وفي عالم المال، وفي الحياة الزوجية والحياة المهنية، وكذلك في السياسة، فالحاكم القوي إنسانياً لن يجد في نفسه حاجة لأن يطغى. الطاغية ضعيف إنسانياً لأنه يخاف باستمرار حتى يحوله الخوف الى طاغية.
هذه هي حقيقة الحاكم القمعي المختفية وراء نياشينه العسكرية وهيبته الزائفة. كائن مريض بالخوف، لا أكثر

_____________________________

* كاتب عراقي مقيم في السويد

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة