عبير الفقيه تكتب: السوق الواعد لملابس المحجبات في أوروبا

حضور المرأة المحجّبة لدى دور الأزياء لم يكن ليتأخّر أكثر من وقتنا الحالي، باعتباره مجالا تجاريّا مهدوراً حرَمَ أشهر مُصمّمي الموضة الأوروبية من أرباح خيالية لم يُعطّله سوى تأهيل المجتمع الغربي نفسيّا لقبول التّرويج لمظهر المرأة المُحجّبة

عبير الفقيه*
    سجّل قطاع الموضة في أروبا مؤخّرا لفتَةً بارزة نحو لباس المرأة المسلمة المحتشم و بتصاميم خاصة بالمحجّبات تحديداً. ففي أواخر شهر مايو/ آيار أصدرت دار الأزياء الإسبانيّة (مانغو) مجموعة تصاميم جديدة  ضمن عروض أطلقت عليها اسم “مجموعة رمضان” في استدراج ذكيّ لاهتمام المسلمات، وهى عبارة عن موديلات تعتمد أقمشة خفيفة زاهية الألوان تنسدل على جسم المرأة وتغطّيه حتى الكعبين والمعصمين، دون إشارة صريحة إلى أنها مُصمّمة حكراً على المسلمات؛ فعارضات هذه التصاميم خرجن مكشوفات الشعر ونِلن إعجاب جماهير متنوّعة الأذواق.
وفي اوائل شهر سبتمبر/أيلول خرجت علينا عارضة أزياء مغربية الأصل من بين فريق عارضات ماركةH&M  السويدية بموديلات شبابية فضفاضة وحجابها المُختار بعناية لتكون اول عارضة أزياء محجّبة. وفي مستهلّ هذه السنة أطلقت دار الأزياء الإيطالية العريقة (دولتشي غابانا) مجموعة موديلات خاصة بلباس المرأة المحجّبة بكل اكسسواراته.
   لفتة ثقافية تجارية في عُمقِها أثارت كثيراً من الجدل في وسائل الاعلام الغربية بين متخوّف من دلالات اختراق الثقافة الإسلامية (مسألة الحجاب تحديداً) للمجتمعات الغربية وبين مُرحّب بالفكرة وما تَحْمله من جماليّة وثقافة اندماج.
ولئن اختلفت المواقف من هذه البادرة في أوروبا وعَلَت نبرة السّاخطين على الإسلام عموماً، فان المجتمعات التي خاطبتها دور الأزياء هذه، هلّلت وأشادت بهذا الاهتمام حتى وإن كانت الغايات ربحية خالصة لا تحتمل التّمويه.
   قبل الخوض في هذا الموضوع، أفضّل الانطلاق بتحديد مفهوم الموضة في حدّ ذاته. فهي لغويّا تعني ” زيّا أو أسلوبا أو عادة تعكس ذوقا عاماً ونمطاً يولع به الانسان ثم يزول ليترك المجال لنمط جديد”. من هنا أمكن اعتبارها كتعبير ثقافي، مرآة لتحوّلات المجتمع و تفاعله خصوصا في ما يتعلّق  بجانب الهويّة و التراث، وتحدّد بشكل كبير اتّجاهات ذوق المستقبل. وخير دليل على هذا هو تفشّي صورة المرأة ذات المظهر العملي والرياضي ، بعد ان كانت دور الأزياء تحصر اهتمامها في مظهر المرأة الأرستقراطية طوال عشريّات طويلة مضت.
  مظهر المرأة المحجّبة التي اكتسحت المشهد مؤخّرا حضرت بثلاث صور: “لوك” الشابة العمليّة النّشيطة واستأثرت بها تصاميم دار H&M . والمرأة متوسّطة الدّخل الحريصة على أناقتها بكل تفاصيلها و قد تفرّغت لهذا اللوك دار (مانغو) الإسبانية. أمّا المرأة الأرستقراطية ذات الدّخل العالي فقد كانت من نصيب تصاميم دار الأزياء الإيطالية الرّاقية (دولتشي غابانا) التي تحرص دائما على اعتماد أقمشة واكسسوارات مكلّفة جدّا تتلاءم والطبقة الاجتماعية التي تُخاطبها، وتكون في نفس الوقت عصيّة على بقيّة الطّبقات حتّى لا تفقد المتعاملات معها متعة التميّز. فقط وجب التّنويه الى انّ المرأة العارضة لكل هذه التّصاميم تظهر بنفس تقاسيم جسم عارضات الأزياء الحديثة وما يتطلبه من نحافة، رهان واضح على تلاقح الأذواق و اشتداد سطوة العولمة، و لنا في صورة “انجيلينا جولي” بالعباءة السّوداء ذات يوم في مخيم للّاجئين السوريين خير دليل على قدرة اللّباس كتعبير ثقافي في جَمْع ماكنّا نعتقد انّه لا يجمع وفي تمرير رسائل صعبة.
   حضور المرأة المحجّبة كموضوع استثمار لدى دور الأزياء لم يكن ليتأخّر أكثر من وقتنا الحالي، باعتباره مجالا تجاريّا مهدوراً حرَمَ أشهر مُصمّمي الموضة الأوروبية من أرباح خيالية لم يُعطّله سوى تأهيل المجتمع الغربي نفسيّا لقبول التّرويج لمظهر المرأة المُحجّبة الأنيقة و المًغرية في النّسيج الاجتماعي الحداثي.
فهو نفْس المجتمع الغربي الذي كان قد قبِل على مضض وفود السيّاح المسلمين المتزايدين عليه يوماً بعد يوم (وخصوصا بعد ثورات الربيع العربي)، وأباح رؤيتهم في شوارعه وفي ساحاته العامة مُرغما، بعباءاتهنّ وخمرهنّ و لحيّ مرافقيهنّ بكثير من الانتهازية في ظلّ أزمات اقتصاديّة خانقة وقليل من التّسامح ورغبة في التّثاقف.
أمّا عن المسلمات أنفسهنّ فلم يكّن يوما عقبة أمام اي مشروع استهلاكي، لا فقط لارتفاع المقدرة الشّرائية لدى الخليجيات مثلا، بل لهَوسٍ بثقافة الوافد اذا أحاط بتوفير متطلّبات الجمال و التّجميل و المظهر. 
أسواق فتحت أبوابها على مصاريعها حتى للسّلع الصّينيّة فما بالك بدور الأزياء العريقة والإيطالية تحديداً؟. و يكفي ان ننتبه الى انّ العطور ومواد التّجميل مثلا تأتي في مقدّمة تجارة دبي الخارجية لتمثّل 21%  من جملة الواردات، أو أنّ رُبع مبيعات عطر شانيل 5 مثلا يتمّ على الأرض الخليجية لنقف على اهتمام المسلمات العربيّات بما يضمن تجارة رابحة لأي مشروع استثماري من طرف الماركات الكبرى يتوجّه نحو هذه الأسواق.
   عارضة الأزياء البريطانية ” ناعومي كامبل” كانت اوّل “موديل” سمراء البشرة اقتحمت مجال الموضة من بابها الواسع بِرِهانٍ من مصمم الأزياء الفرنسي الشهير ” ايف سان لوران” في أواخر الثمانينات.
وقد اقتحمت صورتها المشهد العام و ألهمت الكثير من دور الأزياء المنافسة وأرست بسَمَارِها نهْجا جديداً واثقا في عالم الموضة.
 فهل سيكون رهان الإيطالي “ستيفانو غابانا” مثلا على العباءة و الحجاب و اللّباس الفضفاض المحتشم ناجحا على خطى مصمم الأزياء الفرنسي ” ايف سان لوران” و في منأى عن رياح الإسلامو فوبيا العاصفة بالمجتمعات الغربيّة؟

______________________________

*كاتبة تونسية مقيمة في أسبانيا 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة