محاولة “العدالة والتنمية” التركي كسب القوميين

عندما بدأ رجب طيب أردوغان ما اصطلح على تسميته “مرحلة الحل”، والمقصود هو إيجاد حل سياسي للقضية الكردية في إطار التحول الديمقراطي، اعترف بأنه يغامر بخسارة بعض من مؤيدي الحزب

عبد القادر عبد اللي*

 

من النادر أن يكون الإعلام الحربي صادقاً, عندما يقدم أحد طرفي النزاع, تحليلات حول الطرف الآخر. ولكن إعلام حزب العمال الكردستاني، والإعلام الإيراني عموماً, باعتباره طرفاً في الصراع العسكري القائم حالياً في تركيا وشمال العراق، يضع الإصبع على نقطة حساسة مهمة، وكل المؤشرات تثبت أنها صحيحة، هذه النقطة هي أن حزب “العدالة والتنمية” يحاول رفع نقاط أصواته في الانتخابات القادمة,  من خلال العمليات العسكرية التي يشنها, ضد حزب العمال الكردستاني.

 

عندما بدأ رجب طيب أردوغان, ما اصطلح على تسميته “مرحلة الحل”، والمقصود هو إيجاد حل سياسي للقضية الكردية, في إطار التحول الديمقراطي، اعترف بأنه يغامر بخسارة بعض من مؤيدي الحزب، وهؤلاء هم الأنصار القوميون، وللتقليل من هذه الخسارة تشكلت لجان قابلت بعض الشرائح الاجتماعية من أجل إقناعها بالحل السياسي، وقابلت هذه اللجان عموماً ما يسمى بـ “أسر الشهداء” الذين سقطوا في الحرب, ضد حزب العمال الكردستاني. ولكن خسارة “العدالة والتنمية” أصوات الحليف السابق “فتح الله غولان” مع بعض الأصوات القومية أدخلت الحزب، وبالتالي تركيا في أزمة سياسية حالت دون تشكيل حكومة. وخوض الانتخابات الجديدة بالشروط نفسها من الصعب أو المستحيل أن تعطي نتائج مختلفة.

 

ويبدو أن حزب العدالة والتنمية, أدرك هذه الحقيقة، فلم يكن أمامه سوى التخلي عن سياسته السابقة, مع حزب العمال الكردستاني، وقد قدم له هذا الحزب عن قصد أو غير قصد الذرائع المناسبة للتراجع عن هذه السياسة، فشدد شروطه التي فرضها من أجل إلقاء السلاح، ولم يعقد المؤتمر الذي دعا إليه زعيم الحزب السجين عبد الله أوجلان من أجل إقرار إلقاء السلاح.

 

لم يبق الأمرعند هذه الحدود، فقد نُفذت عمليات عسكرية عديدة ضد بعض المواقع الأمنية والعسكرية التركية, أنكر العمال الكردستاني علاقته بها إلا أن الشرارة التي أشعلت نار الحرب هي قتل شرطيين نائمين في أحد المراكز الأمنية، واعتراف الحزب بها، ولكنه نسبها إلى تصرف محلي لأنصاره.

 

انتهت عملياً “مرحلة الحل” وبدأ حزب “العدالة والتنمية ” بمداعبة مشاعر القوميين، فكانت أولى المحاولات تقديم العرض للنائب عن محافظة أنقرة  طغرول توركش بأن يكون نائب رئيس الحكومة المؤقتة على الرغم من رفض حزبه حزب “الحركة القومية” المشاركة بهذه الحكومة.

 

لتوركش شعبية كبرى بين صفوف القوميين الأتراك عموماً، وحزب الحركة القومية خصوصاً، فهو ابن مؤسس هذا الحزب الذي تُعلق صوره في مكاتبه كلها. وبالطبع عندما هُدد بالإحالة إلى اللجنة التأديبية استَخف بهذا الأمر، وقال إنهم لا يجرؤون على فصلي. وفعلاً لم يستطع الحزب الإقدام على فصله.

 

لم تتوقف سياسة “العدالة والتنمية” عند هذا الحد، فقد رافق رئيس الحكومة المؤقتة أحمد داوود أوغلو طغرول توركش إلى زيارة قبر والده المؤسس للحركة القومية ألبصلان توركش, ووضع إكليلاً من الزهور، وخصص له سيارة تحمل رقم اللوحة التي كانت لسيارة والده, عندما كان نائباً لرئيس الحكومة, بناء على طلبه. وحدث انقسام كبير –اقتصر على الرأي حالياً- في صفوف حزب “الحركة القومية”  بين مؤيد لموقف طغرول توركش ومعارض له.

 

كانت استطلاعات الرأي العام التركي تشير إلى كسب حزب “الحركة القومية”  بعض النقط في الانتخابات المبكرة، ولكن استطلاعات الرأي التي أجريت بعد أزمة مشاركة توركش بالحكومة المؤقتة أشرت إلى العكس تماماً، فهي تقول إن حزب “الحركة القومية” سيخسر بعض النقاط.

 

عندما نتحدث عن استطلاعات الرأي أصبح من الضروري إضافة كلمة “تركي” لتصبح العبارة “استطلاعات الرأي التركي” وحول هذا الأمر بات اليوم هناك ثلاثة أنواع من عمليات استطلاع الرأي حول الانتخابات التركية المبكرة، وهي استطلاعات رأي لشركات قريبة من “العدالة والتنمية”,  و”استطلاعات رأي قريبة من المعارضة التركية” والنوع الثالث من استطلاعات الرأي تنشره صحف تستخدم اللغة العربية وتدور في الفلك الإيراني، وأرقام النوع الثالث من استطلاعات الرأي هذه عموماً تعطي للعدالة والتنمية أقل مما تعطيه استطلاعات الرأي التي تجريها المعارضة التركية بعشر نقاط على الأقل.

 

بحسب قانون الانتخابات التركي، والتوزيع القائم للأحزاب السياسية فإن أربعاً وأربعين أو خمساً وأربعين نقطة لحزب “العدالة والتنمية” يمكن أن تكفيه للحصول على خمسين بالمائة من مقاعد البرلمان وهذه النسبة هي المطلوبة لتشكيله الحكومة وحده، وقد حصل على حوالي واحد وأربعين نقطة في الانتخابات الماضية، وهو بحاجة إلى ثلاث أو أربع نقط فقط,  من أجل التفرد بتشكيل الحكومة. طبعاً فيما لو خسر حزب “الشعوب الديمقراطي” (الكردي) أربع نقاط، وفشل بالحصول على عشرة بالمائة من أصوات الناخبين في الانتخابات المبكرة –وهذا لا يتوقعه أي استطلاع للرأي- يمكن للنسبة التي حصل عليها “العدالة والتنمية” في الانتخابات الماضية أن تؤهله لتشكيل الحكومة وحده براحة,  لأن المقاعد حينئذ ستوزع على ثلاثة أحزاب سياسية فقط.

 

وينتظر أن تكون الحرب القائمة في جنوب شرق تركيا وشمال العراق, بين السلطة التركية وحزب العمال الكردستاني، وتشير المعطيات إلى أنها ستمتد إلى شمال سورية, وهي التي ستكون متأثرة بنتائج الانتخابات القادمة. وإذا كان السلام فيما مضى هو الذي يلعب دوراً بكسب “العدالة والتنمية” للانتخابات، فإن الأمور انقلبت، وأصبحت الحرب هي المحددة.

 

ثمة عامل آخر يدور حوله كثير من اللغط، وهو موقف زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، فهو صامت، ويرفض مقابلة الوفود والوسطاء، ولكن الحقيقة أن المخابرات التركية تلتقيه، فهو بالنتيجة تحت يدها ورقابتها، فهل يقلب الموازين؟

 

_________________________

*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه