عبد القادر عبد اللي يكتب: الحرب التركية الكردية

عبد القادر عبد اللي*

 
كان الاعتقاد السائد بأن أربعين ألف ضحية هي مجموع الخسائر البشرية في الصراع بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية على مدى ربع قرن كافية لاقتناع الطرفين بأن الصراع السياسي أفضل من الصراع العسكري. وبالطبع كانت غالبية الضحايا هم الناس البسطاء الذين لا ناقة لهم ولا جمل بتلك الحرب المجنونة. فالمنطق الذي يغيب تماماً تحت وهج نار القصف والمتفجرات يقول إنه من المستحيل إلغاء مكون أساسي من مكونات “الجمهورية التركية” وهو المكون الكردي، وبالمقابل فإن هزيمة الدولة التركية عسكرياً على يد حزب سياسي له جناح مسلح أيضاً أمر مستحيل في الظروف الحالية.
لعل هذه الحقيقة واضحة لدى الطرفين، ولكن ليس لدى أحدهما الرغبة بالاعتراف بها، لذلك على الرغم من توحّد القوى السياسية التركية الممثلة في البرلمان ضد حزب العمال الكردستاني، مازال هذا الحزب يوجّه دعايته الحربية والسياسية إلى أنه يحارب الإسلام السياسي التركي المتمثل في العدالة والتنمية فقط، والغريب بالأمر أن حزب الحركة القومية (الطوراني) وجناحه “مآوي المثاليين” من يدعو إلى التظاهرات الداعمة للجيش التركي والقوى الأمنية في حربها ضد العمال الكردستاني، وهذا الحزب هو الأشد رفضاً لمنح الأكراد أي حق من حقوقهم، والمشاركين في تلك التظاهرات هم الذين يهاجمون مقرات “حزب الشعوب الديمقراطي” (الكردي)، ويعتبرونه جزءاً لا يتجزأ من حزب العمال الكردستاني، ويحطمونها، ويحرقونها في بعض الأحيان رافعين شعارات “الذئب” بأيديهم، وهم الذين يسمون “الذئاب الغبراء”، ويهتفون بالهتافات القومية، وينسبون الحرق والتحطيم “لمندسين”، ولكن حزبي الشعوب الديمقراطي والعمال الكردستاني يتهمان العدالة والتنمية بهذه الهجمات…
من جهة أخرى رفع حزب الحركة القومية دعوى قضائية على حزب العدالة والتنمية ورئيسي الجمهورية والحكومة لأنهما هما اللذان بدأا “مرحلة الحل” وهي الخطة التي وافقت عليها الحكومة وحزب العمال الكردستاني للتوصل إلى حل سياسي للقضية الكردية من خلال تحولات ديمقراطية تمنح الإدارات المحلية صلاحيات أكبر تعطيها حرية بالعمل السياسي، ولكنها لا تصل هذه الحرية إلى استقلالية أو حكم ذاتي، وعلى الرغم من هذا فالدعاية الحربية تبعد هذا الحزب عن القضية.
من المفهوم أن يعمل كل طرف من الطرفين –الكردي والتركي- على تحسين وضعه التفاوضي، ولكن لابد من تحقيق انتصار –ولو جزئي- لأحد الطرفين من أجل أن يحسّن أوضاعه في التفاوض. يبدو أن الانتصار السياسي آخر ما تفكر فيه الأطراف، لذلك كان لابد من انتصار عسكري من أجل تحسين الأوضاع.
الانتصار السياسي أقل كلفة على الجميع، ولكن الكلفة البشرية والمالية للانتصار العسكري في حرب من هذا النوع تجعل الطرفين خاسرين. فالأهداف المعروفة غير المعلنة كبيرة جداً، ويستحيل تحقيقها على المدى المنظور. فهدف تأسيس دولة قومية كردية في الأناضول يحتاج إلى مراحل ومتغيرات كثيرة لكي يتحقق، وحتى حلفاء هذا المشروع وداعموه ليسوا مستعدين لدعم هذا الهدف في القريب العاجل. من جهة أخرى، فإن إنهاء الحركة الكردية في تركيا بالقوة العسكرية قضية مستحيلة، لأن حرب العصابات يمكن أن تستمر بعدد قليل جداً من العناصر، وهناك حاضنة شعبية قوية تغذي هذه الحركة. ويؤكد الصحفي الخبير في الشئون الكردية والمعارض لحكومة العدالة والتنمية جنكيز تشاندار بأن عدد مقاتلي حزب العمال الكردستاني لم يتجاوز السبعة آلف مقاتل، وينقل اعترافات قيادات هذا الحزب بهذا الرقم في كتابه “قطار الرافدين السريع”، والحقيقة التي يعرفها الطرفان أن هذا العدد على الرغم من كثرة الضحايا التي قدمها لم ينخفض، فالحاضنة الشعبية قادرة على تعويض النقص بالمقاتلين، ولن يكون نقص ألف مقاتل عاملاً مؤثراً بقوة هذا الحزب.
لعل الحكومة (الأصح الدولة) التركية كانت تعوّل على الرفاهية في الحياة التي عاشها المواطن في المناطق الكردية في مرحلة “الهدنة” التي سميت “وقف العمليات العسكرية” لتغيير مزاج الحاضنة الشعبية لحزب العمال الكردستاني، فهذه الحرب ستودي أولاً بهذه الرفاهية، ولكن في الوقت ذاته فإن الطرف الآخر يراهن على العامل نفسه أيضاً. فالحرب عموماً تعني أزمة اقتصادية تعيشها فئات المجتمع كلها، وبوادر هذه الأزمة بدأت تظهر بقوة، فقد تخطت قيمة الليرة التركية حاجز الثلاث ليرات مقابل الدولار، وهذا يعني أن العملة فقدت ربع قيمتها في أقل من سنة، بعد أن حققت استقراراً نسبياً على مدى أكثر من عشر سنوات.
لم تصل الحرب بين الطرفين بعد إلى المستوى الذي كانت عليه قبل إعلان “مرحلة الحل”، فمازالت المدن التركية الكبرى بمنأى عن العمليات الكبيرة، وبضع العمليات الصغيرة التي نُفذت، تم احتواءها بسرعة، ولكن هل هناك ما يمنع وصول تلك العمليات إلى المناطق الغربية، هذا غير معروف بعد.
كل طرف الآن يعلن نصراً، ولكن هذه الانتصارات نوع من الدعاية الحربية التي تساهم في الحرب النفسية. فلا مقتل عشرات الجنود الأتراك يمكن أن يؤثر على موقف الدولة التركية حتى وإن أعلنت الدعاية الحربية للطرف الآخر بأنهم مئات، ولا المئات من أعضاء حزب العمال الكردستاني الذين يقتلون على يد الجيش التركي يمكن أن يؤثروا على موقف هذا الحزب حتى وإن قالت الدولة إنهم آلاف. ففي الحرب السابقة كان هناك أربعون ألف ضحية حتى أعلنت الهدنة.
نعم لقد خيضت التجربة من قبل، ولم يتم التوصل إلى نتيجة، والمتغيرات الجديدة ليست حاسمة، فهناك مكاسب وهناك خسائر، فإذا كان العمال الكردستاني قد كسب تحالفاً مع الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة الحرب ضد داعش، فهو مازال مدرجاً على قائمة المنظمات الإرهابية لهذا الحليف، إضافة إلى أنه خسر حليفاً مهماً هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود برزاني، ولعل هذا الحليف في ميزان القوى أكبر من الحليف الأمريكي الذي يتبنى في المرحلة الراهنة سياسة “احتواء الأطراف المتصارعة”. وبما أن التوازنات لم تتغير، فتبدو العملية أشبه بمحاولة إعادة تجربة بالشروط نفسها على أمل تحقيق نتائج مختلفة…
________________________

*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة