سمير العركي يكتب: المسكوت عنه “عمداً ” في خطاب الإسلاميين

البعض من هؤلاء عندما أراد أن يوضح رؤيته قال : ” السلفية دعوة منهجية عقدية تربوية تؤمن بطاعة أولياء الأمور ” وقارن بين هذا الأصل الجديد المبتدع في الدين وبين رؤية الصحابي الجليل الربعي بن عامر

 
سمير العركى*

 
كانت ثورات الربيع العربى لحظة مثالية للكشف عن عطب ” الخطاب ” الذى أنتهجته الحركة الإسلامية على مدار عقود متتابعة والذى لم يجد له من سبيل سوى الانطلاق فى عالم  “المُثل” و”المطلق ” بعيداً عن هموم الحاضر وتحدياته وهرباً من استحقاقات لازمة ، ومواجهات لابد منها حال انطلق هذا الخطاب وتأسس انطلاقاً من الواقع ورجوعاً إليه .
فالجموع الكثيفة التى وضعت ثقتها فى يد قلة من ” إخوانها ” و”مشايخها ” اكتشفت هى الأخرى أن معظم ما كان يردد ويلقن لها متدثراً بغطاء كثيف من ” القداسة ” لم يكن سوى فهم قاصر للإسلام ومراميه الكبرى ومقاصده العظمى  وجهل فاضح بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وحركته الدؤوبة من أجل إعادة بناء الإنسان وربط حركة الدنيا بالآخرة وإعلاء القيم الأساسية المنبثقة من كلمة التوحيد وحولها تدور وهى الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية .
 فخطاب الحركة الإسلامية تعريض للتشويش ” المتعمد ” بداية من حقبة السبعينيات وهى الفترة التى شهدت فوراناً كبيراً فى الحالة الإسلامية وصعودا لتياراتها المختلفة ولكن شهدت فى الوقت ذاته قطيعة مع فكر المصلحين الكبار كالكواكبى ومحمد عبده ورشيد رضا ومالك بن نبى … إلخ وبدا وكأن الحركة الإسلامية حينها تعيد إنتاج العجلة من جديد لصالح مشروع تم تصديره إلى البيئة المصرية متسلحاً بقوة المال ” الخارجى ” ومكانة ” السلف الصالح ” لدى جموع الأمة .
فالمشروع الضخم الذى نسب نفسه إلى ” السلف ” وبه تسمًّى لم يحمل من رؤية السلف الإصلاحية سوى الاسم وفقط !! أما مضمون المشروع ذاته فقد تاه مع أشياء كثيرة تاهت وسط الزحام .
فسلف أمتنا رضوان الله عليهم لم يبنوا رؤية انعزالية عن عموم قضايا وقتهم بل اشتبكوا وتفاعلوا معها تفاعلاً إيجابياً، ومن يطالع المشروع الإصلاحى لشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – على سبيل المثال – يجد أنه كان منسجماً مع التحديات والهموم التى كانت تواجه المسلمين آنذاك ولم يكن يسبح فى فراغ مثلما فعل المنتسبون إلى تراثه حديثاً .
كان لب الأزمة التى يعانى منها المسلمون حديثاً واضحاً لا يحتاج إلى كثير معاناة لوضع اليد عليه وهو الاستبداد  الذى هو أصل الشرور ومنه تفرعت وانبثقت كل المساوئ الأخرى وبدلاً من تأسيس خطاب واع يضع قضية الحريات فى صدر أولوياته ويحشد وراءه الجماهير من أجل نيلها باعتبارهاً حقاً أصيلاً وليست منحة من ملك أو رئيس ، جرى إهمال كل ذلك “عمداً ” هرباً من مواجهة الاستحقاقات المترتبة عليه، وهى استحقاقات دفعتها الأمم التى نالت حريتها اليوم وانطلقت بعيداً عنا بسنين ضوئية فى مجال التشييد والعمران .
كان يجب صرف الوقت والجهد بتوعية الجماهير بقضية ” الحريات ” وأنها ليست مكملاً زائداً أو رجساً من عمل الشيطان كما يحاول أتباع المستبدين تصويرها، ولكن الذى حدث على مدار أكثر من أربعين سنة كان مدمراً للعقل الجمعى للحركة الإسلامية ووبالاً على حركة الجماهير التى تتبع حركتها إذ جرى السكوت عمداً عن كل هذا إرضاء للمستبدين ورأينا إعلاءً لقضايا فقهية تم نقلها من محيطها الفقهى وإكسابها وضعاً ” عقدياً ” غير معروف فى تراثنا الفقهى الرحب فكانت القضايا التى يعرف بها عموم الإسلاميين هى قضايا اللحية والنقاب والثوب القصير وحرمة المعازف … إلخ. كما جرى استحضار القضايا الكلامية من الماضى ليتم الدفع بها فى الاهتمام العام كقضايا خلق القرآن والمعارك مع المعتزلة والموقف من الأشاعرة … إلخ
هذا الخطاب القاصر هو الذى أوصل أحد هؤلاء لأن يقول عندما سئل عن حكم المظاهرات : ” أن الطريقة الصحيحة والمشروعة للإصلاح تتمثل فى تغيير ما فى الأنفس بالطرق المقرة شرعاً ” أى أن المطلوب الانعزال عن حركة المجتمع وهمومه ولزوم البيوت والصوامع طلباً للإصلاح المنشود !!
ويكمل ” الشيخ ” رؤيته فى التعامل مع أخطاء الحكام فيقول : ” أما السنة فى تغيير أخطاء ولاة الأمر إنما تكون بمناصحتهم والدعاء لهم والتكامل معهم ”
مرة أخرى فالمطلوب من الجماهير ألا تشتكى ( مجرد النصح اللطيف ) إذا ما ألهبت سياط المستبدين ظهرها ، ولا أن تعترض إذا رأت ثروات بلادها يتم سرقتها أمام أعينها دونما حياء ولا أن تغضب إذا ضاعت فلسطين وتلتها العراق وصنفت أكثر دول العرب على أنها دول فاشلة .. بل المطلوب حسب رؤية ” الشيخ ” التى نسبها لسلف أمتنا أن تنقطع الجماهير للدعاء لولاة الأمر بطول البقاء وحسن التدبير وهزيمة أعدائهم أعداء الوطن !!! المطلوب من كل فرد أن يتكامل معهم تجسساً وإرشاداً على أى عدو للوطن يتجرأ على معارضتهم .
والمفارقة أن هذا ما فعله البعض منهم دون خجل أو حياء .
البعض من هؤلاء عندما أراد أن يوضح رؤيته قال : ” السلفية دعوة منهجية عقدية تربوية تؤمن بطاعة أولياء الأمور ” وقارن بين هذا الأصل الجديد المبتدع فى الدين وبين رؤية الصحابي الجليل الربعي بن عامر عندما سأله قائد الفرس فى إحدى المعارك ما الذى جاء بكم ؟ فلخص له مقاصد الإسلام الكبرى فى عبارات قليلة : ” لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ( الحرية ) ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ( العدالة ) ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ) الكرامة )”
وللأسف ضاعت رؤية الربعي وصرنا نلوكها دونما فهم ، وتسيدت رؤية أمثال هذا ” الشيخ ”
فضاعت الجماهير واطمأن الطغاة المستبدون .
والمطلوب على وجه السرعة استنقاذ سلف أمتنا وتراثهم من أيدى هؤلاء ، والتأسيس لخطاب جديد يعيد التمركز حول هذه القضايا التى تم السكوت عنها “عمداً” .

__________________________

*كاتب وباحث مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة