داليا إلياس تكتب: الطلاق السريع.. والسريع جدا

يحتاج الأمر منا لوقفة لنواجه الأمر بتجرد ، ونبحث الحلول الجذرية للحد من هذه الأزمة الاجتماعية الطاحنة.
ولجميع المقبلين على الزواج أقول: احتملوا العام الأول من الزواج،

داليا الياس*

 

لم نكد ننتبه للارتفاع المتواصل في معدلات الطلاق ونبحث أسبابها وحلولها، حتى باغتتنا ظاهرة الطلاق السريع والسريع جداً،. إذ أن العديد من الزيجات لا تكاد تمر عليها سنة، ولا تستمر لبضعة أشهر، بل أن بعضها ينتهى أثناء شهر العسل أو بعده بعدة أيام

الكثير من الحكايات تطرق مسامعنا فنمصمص شفاهنا ونستغرب، ونستعيذ من الشيطان، ونصدر بيانات الاستنكار والشفقة، وندعو لأصحابها بالصبر والعوض السريع

دراسة أمريكية حديثة تؤكد أنه كلما ارتفعت نفقات الزواج، كلما زادت احتمالات الطلاق السريع. والمتأمل في نتيجة الدراسة وبإسقاطها على فئة يسيرة من مجتمعنا وواقعه , سيؤكد ما ذهبت إليه

فالشاهد أن معظم الزيجات الأسطورية التي تناقلنا أنباء تفاصيلها البذخية وتقليعاتها الغريبة، سواء من العروس وأهلها أو العريس وذويه، انتهت قبل أن يبدأ العروسان ممارسة حياتهما الزوجية فعليا، وهذا بالتأكيد بسبب الفهم المغلوط للزواج، والنظر إليه باعتباره مظهرا اجتماعيا  فنرى الطرفين يهتمان بالقشور ولا يكترثان كثيرا بمسألة التعايش والتوافق والتراحم والسترة، وحالما انقضت أيام التجهيزات والحفلات بتفاصيلها المدهشة وأضطر الاثنان للبقاء معا بلا زيف أو ألوان…انكشف المستور…وظهرت الحقائق الجوهرية…وانتهت اللعبة الشيقة.. وانهار تمثال البلور

وكلما ارتفع معدل إنفاق الطرفين وأسرتيهما، كلما ارتفع سقف التطلعات، وتوقع كل منهما من الآخر تقديرا عظيما لما قدمه من عطاء وتضحيات ونفقات، وانتظر أن يجتهد الآخر ليسكنه جنة الله في الأرض، ويحلق به في سماء الدلال والإجلال!

ثم تحدث الصدمة بالواقع المرير، ويكتشف كل منهما أن الآخر له متطلبات والتزامات ترغمه على الإتيان بما لم يتوقعه.. وهذا يسبب الإحباط ثم الحنق والجدال والاختلاف والطلاق!

وهناك سبب أساسي في ارتفاع معدلات الطلاق السريع يتمثل في ( الأمهات)….لاسيما وأن أمهات “عرسان” هذا الجيل في الغالب شابات قويات الشخصية ومتعلمات وإن لم يكن للتعليم علاقة بالوعى الاجتماعي…فكل الذى يعرفنه أن كل واحدة تريد الغلبة لابنها أو ابنتها على اعتبار أنهما فريقان يدخلان مباراة حامية الوطيس ويحرص كل طرف على أن يحقق الغلبة!

وتظل الأم تلعب دور المخطط والمحرض وتقحم نفسها في تفاصيل حياة الابن أو الابنة حتى لا  تعد لديهما الفرصة للعيش بحسب طبيعتهما وأفكارهما ورؤيتهما الخاصة للأمور،  ولا يلبث أن يحدث الاستنكار والتمرد والطلاق ثم لا يجدان الكثير من ذوى الحكمة والرشد ليرداهما إلى نفسيهما وبيتهما رداً جميلاً، .فقد تحول الأمر لعداء سافر لا مكان فيه للتنازلات وبذل التسامح والعفو والتغاضي والاحتمال

هما فقط قوتان متشددتان تبحثان عن انتصار ساحق يردى القوة الموازية ويلقى بها صريعة تحت الأقدام!

حينها لا مجال للنظر في مضامين الحب واللهفة والمواقف النبيلة ولا حتى الأبناء!…علما بأن السبب في الغالب واه…وغير مقنع

وكان بالإمكان الصبر عليه وإيجاد حلول طيبة تنهيه داخل بيت الزوجية  نفسه قبل أي شيء، بدلاً من إقحام أطراف أخرى ليعم الخبر القرى والحضر ويلوث وجه تلك العلاقة الجميلة

وتبقى الأسئلة الأبرز التي يجب أن يطرحها كل مقبل على الزواج من البنات والأولاد على نفسه : ماذا أريد من هذا الزواج…وماذا أنتظر من الطرف الآخر…وماذا يجب أن أقدم له؟

وقبل كل هذا، إلى أي مدى أعرف حقيقته،  وإلى متى يمكنني احتماله والعيش معه؟!….وهل أرغب في الزواج بسبب الحب واللهفة فقط أم لأنه طقس ديني يحقق لي إكمال تديني؟…أم هي نزعة الفطرة الإنسانية البسيطة لأجل التكاثر والحب فقط؟

يحتاج الأمر منا لوقفة لنواجه الأمر بتجرد ، ونبحث الحلول الجذرية للحد من هذه الأزمة الاجتماعية الطاحنة.

ولجميع المقبلين على الزواج  أقول: احتملوا العام الأول من الزواج، اصمدوا في وجه المناوشات ورياح الغضب والاستغراب الناجم عن الاكتشافات الصغيرة في تفاصيل الشريك…وبعدها اختاروا البقاء أو الرحيل…فالعام الأول هو المحك الحقيقي والعام الأخطر في عمر الزواج، واذا عبرناه بسلام تمكنا لاحقا من معالجة كل القضايا العالقة…فحينها على الأقل يكون كل واحد قد عرف  الآخر كما يجب. وأرجو ألا تخلطوا أوراق الوله والولع والإشراق التي تعترينا قبل الزواج بأوراق الاعتياد والرحمة والسكن التي يقوم عليها.

فشتان ما بين هذا وذاك…لذا من الأفضل أن نستمتع بالحب وحلاوته دون أن نسقطه على حياتنا الزوجية الهادئة

وقبل أن نفكر في الانفصال السريع…دعونا نقرأ واقعه المريع….ونلعن شياطين الخيارات الحمقاء…فإن وجدنا أننا لانزال معرضين…فليس أكرم من انفصال أنيق…يحفظ للزواج كبريائه المفترض…ودون استعجال يسلمنا لاحقا للندم

________________________

*كاتبة سودانية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة