محمد منير يكتب: القاهرة 15

في القاهرة 30 كان الفساد واضحاً يتمثل في نظام ملكي مستغل يقمع الشعب لحساب مستعمر خارجي، في القاهرة 15 الفساد يحمل ثوب الفضيلة ويتشدق بالوطنية.. يتبع.

  محمد منير*

 
وأقصد هنا القاهرة 2015 وهي مختلفة عن القاهرة 30 أو 1930 التى وصفها الأديب “نجيب محفوظ”  في روايته.
في القاهرة 30 كان الفساد واضحاً يتمثل في نظام ملكي مستغل يقمع الشعب لحساب مستعمر خارجي، في القاهرة 15 الفساد يحمل ثوب الفضيلة  ويتشدق بالوطنية والاستقلال والانحياز للشعب.
في القاهرة 30 كانت المعسكرات واضحة فإما معارض مجاهد أو انتهازي صعودي سلطوي وهو الفرق في رواية نجيب محفوظ، بين “علي طه” و”محجوب عبد الدايم”. وفي القاهرة 15 عرف المجتمع نوعا ثالثاُ وهو المعارض الجامع بين الوظيفتين وهو معارض أشوس وفي الوقت نفسه انتهازي صعودي سلطوي لا تختلف أدواته في الفساد مع أدوات معسكر النظام الفاسد، والخلاف الوحيد فى الشكل واللغة والاثنان مهمان لاستكمال مشهد الحياة الديمقراطية أمام العالم .
في القاهرة 30 كان الوطن شعار المجاهدين، وفي القاهرة 15 انضم اليهم في الشعار النصابون والفاسدون والانتهازيون ، وأصبح الوطن مجرد غنوة للفقراء تصبرهم على حالهم وفي الوقت نفسه مفتاح الخير لكل من يريد نهب خيرات الوطن، وأصبحت مفردات الشعب والتنمية مداخل لرجال أعمال وسماسرة فاسدين يدلفون منها إلى خزائن الخيرات المنهوبة، ويخرجون منها محملين بالثروات، مكرمين باعتبارهم نموذجا للوطنية والشرف .
في الأسابيع الماضية كشفت الرقابة الإدارية المصرية عن قضية فساد كبرى، ورشاوى ترتبط باستغلال أراضي الدولة، تسربت معلومات عنها للرأى العام مبكراً، فوقع المحظور وبات كشف القضية والتعامل معها أمراً حتمياً برغم أن عناصرها من بعض السياسيين والإعلاميين والوزراء الحاليين وكبار الموظفين.
أصدر رئيس الجمهورية قراره بإجبار وزير الزراعة على الاستقالة وتم القبض عليه والتحقيق معه ، وجاءت التسريبات شبه المؤكدة  لتشير إلى أسماء وزراء آخرين وإعلاميين يبدو أن النظام مازال فى حيرة من أمره فى كيفية التعامل معهم، خاصة وأن معظمهم من المؤيدين لهذا النظام ومن الذين قدموا له من الولاء المبالغ فيه مايضعه في حرج.
ما علينا أريد الولوج إلى منطق أو أسلوب الفساد في القاهرة 2015 أو القاهرة 15، وأفضل مثل لدراسة هذا المنطق هو دراسة أسلوب المتهم الأول والعمود الفقري في قضية الفساد  محمد فودة “. و”فودة” ليس جديداً على قضايا الفساد، فقد اُتهم في عدة قضايا فساد من قبل وقضى 5 سنوات محبوسا، ولكن دهاءه الذي لا أنكره عليه جعله  يعود بعد ثورة 2011 إلى الحياة العامة بقوة وينخرط في المشروعات والاستثمارات ويصعد نجمه في الأوساط الإعلامية والسياسية والمالية ويجني ثروات طائلة، وساعد فساد حياة رجال الأعمال في مصر الرجل في أن يتجاوز تاريخه الأسود ليعود إلى معسكرات اليبزنس ورجال الأعمال ويستعيد نشاطة في نهب أموال الدولة وإفساد موظفيها .
ماذا يقول “فودة” قبل كشفه،  في مقال يخاطب فيه رئيس الدولة وماذا يطلب منه؟ تعالوا لنرى:  المقال معنون بـ”شبح الفساد يطارد مشروعات رجال الأعمال.. والفساد الإداري “حجر عثرة” أمام التنمية” ومضمون المقال هو مداعبة لرغبة النظام في جذب المستثمرين ودعوة الحكومة لتقديم التسهيلات لجذب المستثمرين والقضاء على البيروقراطية التى يراها “فودة” معوقة للاستثمار ، وتتصاعد مطالب “فودة” للسيد الرئيس ليطالب منه تفعيل دور أجهزة الرقابة للقضاء على  ما يسميه جشع صغار الموظفين الذي يعرقل المستثمرين عن الاستثمار في مصر والمشاركة في التنمية!
براعة غير مسبوقة في استخدام مفرادات الشرف والوطنية لحث الحكومة على تقديم التسهيلات والمساعدات لبعض من يطلقون على أنفسهم رجال أعمال لنهب البلد، بل الأدهى أن الرجل حزين لأن البعض من صغار الموظفين، الذين يدركون بحكم عملهم عمليات النهب والسلب الواسعة التي يقوم بها الوسيط وبعض رجال الأعمال، ويطالب الحكومة بحمايتهم من هؤلاء الذين يطمعون في بعض الفتات من النهيبة الكبرى، هو حتى لايريد لصغار الموظفين الفسدة أن يشاركوه السرقة! بل ويرى أنه يتعين على الحكومة بكل أجهزتها توفير الحماية له ولكل رجال الأعمال الفاسدين باسم حب مصر والوطنية والجهاد ، ولاعجب إذا راجعت مشاهد الحياة الاجتماعية في مصر العامين الماضيين أن تجد هؤلاء متصدرين الأعمال الخيرية والمشاهد الوطنية والقومية، فما أبرعها وسيلة للتستر. وبالطبع فإن النظام الذى يفقد انحيازه منذ البداية للشعب وتتكون عناصره من مسؤولين ووزراء وإعلاميين ينتمون الى حظيرة البزنس والشطارة وعوالم المال، يكون نظام من السهل اختراقه واستخدامه في الفساد والتخريب، ولا عجب أيضا أن تختفي الخبرات التقنية ويحل محلها خبرات البراعة والشطارة والعلاقات الفاسدة المتداخلة التي تتصدر المشهد.
القاهرة 1930 أو القاهرة 30 ياسادة كان الحلال فيها بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ، اما القاهرة 2015 أو القاهرة 15 فالحرام فقط بَيِّنٌ أما الحلال فقد اصبح موضة قديمة يتندر بها الصاعدون والفاسدون والمرتزقة وخدم الصف الأول الذين يقهرون أبناء الوطن ويعصرونهم من أجل تدعيم سلطة اللصوص وزعماء العصابات.
 أقول كما يقول المصريون في أغنيتهم التي تتصدر مظاهراتهم الاحتجاجية  ” مصر يا أم البلاد ، لسه فيكِ اضطهاد .. فى السياسة والاقتصاد.. عايزه ثورة يابلادي” .
ولكن هذه المرة ثورة حقيقة من الجذور.

 _______________________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة