مقالات

الحكاية فيها إنّ

النتائج الكارثية لاختراق حسابات الفيس بوك هي أحد أكبر المشاكل التي عانى منها آلاف ممن يستخدمونه، خاصة في بداية الثورات العربية.. يتبع

إبتسام تريسي*
“الحكاية فيها إنَّ” كثيراً ما سمعت هذه العبارة في طفولتي ولم أفهم معناها، وحين كبرت وجدت صديقاتي يستخدمنها للدلالة على سر بين اثنتين غالباً ما تغمز المتحدثة بعينها أثناء الحديث لإيهام المستمعة بخطورة السر وطبيعته الكيدية. أسرار البنات لم تكن بتلك الأهمية والخطورة، لكنّها بالنسبة لهن تعني عالمهن الكامل، فغالباً يعشن بعيداً عن العالم، ويغرقن بذواتهن التي تنفتح في أحد جوانبها لتطال ذوات الأخريات مشكّلة سلسلة من المشاكل والاهتمامات المشتركة والمكررة غالباً، مثل تكرار القصص والمآسي في الروايات والأفلام والدراما التلفزيونية.
من الغريب في الحكايات السرية التي تعتمد على الشفرة أو كلمة السر أنّ حرفاً بإمكانه أن يغيّر مصير إنسان، كما في الحكاية الأصلية التي ذهبت مثلاً “حكاية علي بن منقذ الذي هرب من حاكم حلب محمود بن مرداس” لأنّه شعر بأنّ الحاكم يكيد له ويريد قتله. قبل أن يقتل الغيظ حاكم حلب توصل لفكرة يعيد بها علي بن منقذ إلى حلب ليقتله. طلب من كاتبه أن يرسل رسالة لابن منقذ يطمئنه فيها أنّ الحاكم صفح عنه ويرحب بعودته إلى حلب. 
الكاتب كان يحبّ ابن منقذ، ويعلم نوايا الحاكم، ففكّر بطريقة ينبّه فيها ابن منقذ للفخ المنصوب له، فكتب في نهاية الرسالة “إنّ شاء الله” بتشديد النون.
لما قرأ ابن منقذ الرسالة فهم أنّ الكاتب يقصد قوله تعالى: “إنّ الملأ يأتمرون بكَ”. فردّ على رسالة الحاكم برسالة يذكر فيها أفضاله عليه، ويشكره على ثقته فيه، وختمها بعبارة: “إنّا الخادمُ المقرُّ بالإنعام” وكسر الهمزة وشدّد النون بدل أن يكتب “أنا”! الكاتب فهم أنّه يقصد قوله تعالى: “إنّا لن ندخلها ما داموا فيها”.
هذا الذكاء والدقة في استخدام اللغة أنقذا حياة علي ابن منقذ، وأسسا لاستخدام شفرة في كتابة الرسائل تستخدم غالباً في الحروب لتعين الجيوش على تجنب الفخاخ المنصوبة، وتسهّل لهم سبل النصر. بالمقابل كان لابدّ لكلّ جيش من جاسوس يستطيع اختراق صفوف العدو لمعرفة أسراره أيضاً للغاية نفسها “تحقيق النصر”. غالباً ما كانت الانتصارات إذن مرتبطة بشخص المستشار الكاتب، أو الجاسوس الحاذق، قبل ارتباطها بقوة الجيش وحسن تدريبه وعقيدته القوية التي تجعله ثابتاً في المعركة. وربما تكون لفتة ذكية من مخططي حرب تشرين ـ أكتوبر أنهم لجؤوا إلى اللهجة النوبية في مصر واللغة الكردية في سوريا كأداتي تواصل بين أجهزة اللاسلكي العسكرية مستغلين جهل العدو الإسرائيلي بهما، وهي في الوقت ذاته تعويض عن نقص في خبرات التشفير .
المراسلات السريّة سايكس بيكو
ليس الغرب من اخترع الجاسوسية وأسس لها بل المصريون القدماء في عهد الفرعون تحتمس الثالث. لكنّ الغرب أخذ صيته في العصر الحديث من كم المكائد والمؤامرات التي نفّذها في البلاد العربية ولم تتوقف حتّى الآن.
كانت مراسلات “الحسين/ مكماهون” العتبة التي انطلقت منها معاهدة “سايكس/ بيكو” السريّة والتي كشفت عام 1917 بعد مضي عامين على مراسلات الملك حسين مع السير مكماهون بشأن الدولة العربية الكبرى التي ستوافق عليها الدول العظمى مقابل مشاركة العرب في القضاء على الحكم العثماني وهذا ما تمّ في الثورة العربية الكبرى والتي كوفئ العرب عليها بتقسيم بلادهم بمعاهدة كانت الأكثر خبثاً ودهاءً في التاريخ! ومنذ ذلك العهد ومصير الأمة العربية معلّق بحكّام لا يرفعون ساقاً عن ساق إلاّ بأوامر تأتيهم من سادة العالم “الاتحاد السوفيتي سابقاً” والولايات المتحدة الأمريكية.
القوة التدميرية لكلمات السر:
كلمة السر “الدرع” الذي يحمي الأشخاص من خطر الموت في مناطق الصراع، وتحمي الأجهزة والحواسيب، وتستخدم في الأرصدة البنكية، هي في الوقت نفسه مكمن الخطر الذي يمكن أن يدمر صاحبه في حال استطاع شخص آخر معرفتها، واستغل ذلك بالسطو على رصيد في البنك أو معلومات في أجهزة الحواسيب التابعة لشركات أو منظمات أو مؤسسات للدولة.
غالباً ما يستخدم الناس كلمات سر تخص حياتهم الشخصية أو المناسبات المهمة أو أشياء يحبونها مما يجعل معرفة الكلمة سهلاً من قِبل المقربين منهم وحتّى من هؤلاء الذين يمتهنون القرصنة الالكترونية. والنتائج الكارثية لاختراق حسابات الفيس بوك هي أحد أكبر المشاكل التي عانى منها آلاف ممن يستخدمونه، خاصة في بداية الثورات العربية التي جعلت المخابرات في البلدان العربية تجنّد أشخاصاً لهذه المهمة في ظاهرة أطلق عليها “الجيش الإلكتروني” الذي دمّر الكثير من الحسابات بعد اختراقها وسرقة المعلومات الموجودة فيها معتمداً على أنّنا شعب “نمّام” بطبعه يحبّ اللت والعجن، ويتباهى بكم المعلومات التي يعرفها عن الآخرين. هذا الجيش أفرز بالضرورة جيشاً مقابلاً له، كانت مهمته إغلاق صفحات الناشطين بعد اعتقالهم والتبليغ عن صفحات الشبيحة، لكنّه إلى الآن “على المستوى السوري على الأقل” لم يحقق إنجازاً على مستوى مخابراتي يفيد الثورة، بل بالعكس ربّما أساء في بعض الأحيان من حيث ظنّ أنّه يحسن التصرف حين قام بنشر وفضح مراسلات شخصية بين ناشطين من باب النقد الموازي إلى درجة تحوّل فيها ثوار الفيس بوك إلى انتقاد المعارضة وسب وفضح بعضهم ونسوا النظام الذي يراقب ويشمت!

__________________

*روائية سورية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة