مقالات

أمريكا ـ مصر: إشكاليات الحوار الاستراتيجي

د. عصام عبد الشافي

شهدت العلاقات المصرية الأمريكية تطوراً كبيراً منذ بداية أربعينيات القرن العشرين وحتى الآن، ومرت بمراحل متعددة، فقبل يوليو 1952، كانت العلاقات تقتصر علي الزيارات التي قام بها رؤساء الولايات المتحدة لمصر بعد تصاعد الدور الأمريكي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، للتفاوض مع قادة القوى الكبرى حول تطورات الحرب، ففي 22 نوفمبر عام 1943، عقد  الرئيس الأمريكي  فرانكلين روزفلت مؤتمر القاهرة الاول بمشاركة الزعيم البريطاني ونستون تشرشل والزعيم الصيني شيانغ كايشيك، الزيارة لم تكن شأناً مصريا أمريكياً، ولكن فقط كانت القاهرة مقراً للقاء سري بين الكبار لتحديد مصير الحرب العالمية الثانية، في 27 نوفمبر 1943 ، عقد فرانكلين روزفلت مؤتمر القاهرة الثاني بمشاركة تشرشل والرئيس التركي اينونو. وفي فبراير 1945، بدأت الولايات المتحدة توثيق علاقاتها بدول المنطقة، فكان لقاء روزفلت مع الملك عبدالعزيز آل سعود، ثم عقد روزفلت اجتماعاً مع ملك مصر والسودان فاروق الاول في منطقة البحيرات المرة، واجتماعاً ثالثاً في مدينة الاسكندرية مع امبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي، وهو ما كشف مبكراً توجهات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، ليس فقط العربية ولكن البحر الأحمر والشرق الأوسط.
وخلال الفترة بين 1952 و1970، وخلال فترة حكم عبد الناصر لمصر، غلب الطابع الصراعى (على الأقل علنياً) على العلاقات المصرية الأمريكية خلال عهد عبدالناصر، مع وجود محطات للتعاون والتقاء الأهداف بين الجانبين، منها في عام 1953،  زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس  مصر بعد انتخاب أيزنهاور رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. وذلك للدعوة لتطويق الاتحاد السوفيتي بالأحلاف الغربية وقواعدها  العسكرية بالمنطقة. وفي 1959، عقدت الولايات المتحدة مع مصر اتفاقاً بمقتضاه تحصل مصر علي  القمح الامريكي بالجنيه المصري، وكانت مدة الاتفاق ثلاث سنوات، وقدمت واشنطن 300 منحة دراسية لطلبة مصريين للدراسة في الولايات المتحدة.
وفي 1961، أرسل الرئيس الأمريكي جون كيندي خطاباً إلى الرئيس الراحل  جمال عبد الناصر يعرض عليه رغبة الولايات المتحدة في تسوية النزاع العربي ـ الإسرائيلي. حتى تم قطع  العلاقات الدبلوماسية بعد المساندة الأمريكية لإسرائيل في عدوانها على  مصر في 5 يونيو 1967.
وفي عهد السادات وصلت العلاقات إلى درجة كبيرة من التوافق الاستراتيجي فى الأهداف والوسائل وبلغ قمته وصعوده بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية حيث رأى السادات في الولايات المتحدة الحليف الذى سيساعد مصر على حل معضلاتها سواء فيما يتعلق بالنزاع مع إسرائيل أو في تلبية تحقيق التنمية الداخلية.
ففي نوفمبر 1973 ، بدأت المباحثات بين الرئيس انور السادات وهنرى كيسنجر وزير الخارجية الامريكية فى القاهرة حول تطورات أزمة الشرق الأوسط، ثم تكررت المباحثات في ديسمبر 1973، وفي يناير 1974 ، وفبراير 1974، ومارس 1974، ومايو 1974.
وفي يونيو1974 قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بأول زيارة رسمية يقوم بها رئيس أمريكي لمصر. وبعد الزيارة تعددت زيارات كيسنجر لمصر (أكتوبر 1974، نوفمبر 1974، فبراير 1975،  مارس 1975، أغسطس 1975) وكانت محصلة هذه اللقاءات زيارة الرئيس السادات للولايات المتحدة في أكتوبر 1975، وخطاب السادات أمام الكونجرس الامريكى في نوفمبر 1975.
وفي سبتمبر 1976، تم توقيع 4 اتفاقيات اقتصادية بين الدولتين تتلقى مصر بمقتضاها قرضين قيمتهما 89 مليون دولار الى جانب منح بقيمة 11 مليون دولار، وفي مارس 1977، تم توقيع اتفاق بشأن مبلغ 500 مليون دولار وافق الكونجرس على تقديمها لمصر بصفة عاجلة في شكل قرض سلمى.
وفي أبريل 1977، تمت مباحثات بين السادات والرئيس الامريكى جيمى كارتر في واشنطن، وفي يونيو 1977، وافقت لجنة الاعتماد بمجلس النواب الامريكى على تقديم مساعدات لمصر قيمتها 750 مليون دولار، تكرر محادثات السادات ـ كارتر في أسوان (يناير 1978) وإعلان الرئيس الامريكى أن عام 1978 سيكون عام السلام فى الشرق الأوسط. وفي فبراير 1978، موافقة الولايات المتحدة على السماح لمصر بشراء1500 ناقلة جنود مدرعة، وتم ترسيخ هذا التعاون بتوقيع اتفاق السلام بين مصر والكيان الصهيوني في مارس 1979.
وفي عهد الرئيس حسني مبارك تحولت العلاقات إلى نوع أقرب للتبعية الكاملة من السياسة المصرية وتوجهاتها مع السياسة الأمريكية، وإن كانت قد شهدت عدة توترات فقط ظلت هذه التوترات هامشية وغير مؤثرة على المسار العام الحاكم لعلاقات الدولتين.
وبعد ثورة يناير 2011، برزت مرحلة  جديدة في علاقات الدولتين، أمام ما شهدته الثورة من تحولات وتطورات، تعاطت معها الولايات المتحدة بما يحقق أهدافها ويؤمن لها مصالحها الاستراتيجية بالدرجة الأولي، بغض النظر عن توافق أو تعارض هذه الأهداف وتلك المصالح مع شعارات الديمقراطية والحريات والحقوق التي تعلن الولايات المتحدة أنها تتبناها وتدافع عنها
وبعد انقلاب 3 يوليو2013، أصدر أوباما بيانًا حول الأوضاع في مصر، وفي 5 يوليو 2013، أصدرت لجنة الشئون الخارجية بالكونجرس بيانًا يطالب الجيش بالبرهنة على نيتهم للتحول الديمقراطي، وهو ما يعني ترسيخاً للوضع الجديد في مصر. وفي 18 يوليو 2013، أكد جون كيري وزير الخارجية الامريكي أنه من الصعب وصف ما حدث بالانقلاب؛ حيث إن الجيش المصري جنب البلاد حربًا أهلية. وفي يونيو 2014، اتصل أوباما بقائد الانقلاب لتهنئته على تنصيبه رئيساً و”التعبير عن التزامه بالعمل معاً لتعزيز المصالح المشتركة للبلدين”، وأكد التزامه بشراكة استراتيجية بين البلدين.
وبين يوليو 2013 ويوليو 2015 تعددت الوفود والزيارات والاتصالات عبر كل المستويات حول مختلف القضايا، حتى جات جلسات الحوار الاستراتيجي في الثاني من أغسطس 2015، لتُضيف آلية جديدة لآليات التفاعل والتواصل التي لم تتوقف، بين المؤسسة العسكرية والولايات المتحدة، حتى في أشد الفترات تأزماً (ظاهرياً وإعلامياً مُوجهاً).
إن الحوارات الاستراتيجية، أحد أهم آليات السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تُقيم الولايات المتحدة عدة حوارات مع عدد كبير من الدول، منها الصين والهند وإسرائيل والمغرب ونيوزيلندا وباكستان. وكانت جلسات الحوار المصري الأمريكي، تعقد بشكل دوري قبل عام 2009، حيث عُقدت الجلسة الأولى على المستوى الوزاري في يوليو 1998، تزامناً مع تطورات عملية السلام واتفاقات أوسلو، ثم عقدت إدارة كلينتون عدة جولات إضافية من الحوار على المستوى مساعد وزير في ديسمبر 1998 وفبراير 1999. وفي ظل إدارة الرئيس جورج بوش كانت هناك دعوات لجولات حوار في مارس 2002 ويوليو 2004، وفبراير 2006، ولكنها لم تعقد إلا في يوليو 2006، على خلفية حرب لبنان.
وبعد خطاب أوباما في جامعة القاهرة (يونيو 2009)، عُقدت جلسة للحوار على مستوى مساعدي الوزراء، ثم عقدت جولة ديسمبر 2009. ركّزت على عمليتي السلام الإسرائيلية – الفلسطينية والإسرائيلية- السورية، والسودان والعراق. مع تراجع الاهتمام بالقضايا الداخلية المصرية، وتركيز الولايات المتحدة على مسارات غير حكومية في تعاطيها مع قضايا الإصلاح السياسي في مصر.
وفي 2015، تتكرر نفس التوجهات الحاكمة، حيث الأولوية في الحوار للقضايا الإقليمية مع تطورات الوضع في العراق وسوريا وليبيا واليمن وإيران وفلسطين. ومع تعدد القضايا الخلافية (العلنية) طالبت مصر بعقد جولة “حوار استراتيجي” مع الولايات المتحدة أواخر عام 2013، بعد أشهر من الانقلاب العسكري الذى شهدته مصر وتعليق الولايات المتحدة لجزء من المساعدات العسكرية، ولكن هذه الجولة لم تتم إلا في أغسطس 2015.
وهنا يبقي التأكيد على أن جولات “الحوار الاستراتيجى” رغم أهميتها، ليست سوى آلية من آليات إدارة العلاقات الدولية والثنائية، دليل ذلك أنه رغم توقفها لنحو 6 سنوات بين الدولتين، تعددت التفاعلات عبر العديد من الآليات كالتنسيق لمكافحة ما يسمي بـ “الإرهاب”، والتنسيق الأمني والمخابراتي والعسكري بل والسياسي.
ولكن تثير هذه الجولات عدة إشكاليات لعل في مقدمتها: جدواها بالنسبة للداخل المصري، وليس فقط للمؤسسة العسكرية، وجدواها بالنسبة لمعدلات التنمية الاجتماعية والاقتصادية في مصر، في ظل ارتباط هذه الجولات بالتحولات الإقليمية وليس بما تشهده مصر من تطورات داخلية. كذلك فإن مثل هذه الحوارات وتركيزها على الجوانب العسكرية والأمنية والمخابراتية، تكشف إلى الأهمية التي توليها الولايات المتحدة لعلاقتها بالمؤسسة العسكرية على حساب كل أنماط ومؤسسات التفاعل الأخري، وهذا طبيعي ومنطقي في ظل هيمنة هذه المؤسسة على المقدرات السياسية والاقتصادية للدولة المصرية، وكذلك التغلغل الأمريكي في هذه المؤسسة بما يضمن لها الولاء، والقابلية بل والاستعداد الدائم لتحقيق كل ما يتسق والمصالح والأهداف الأمريكية.

_______________________ 

* كاتب مصري- أستاذ العلوم السياسية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة