لماذا عاد النظام ولم يعد الثوار؟

كان صباحا مطيرا يوم رفعوا خيام الاعتصام بعد اتفاق دُبِّرَ بليْل. قالوا بصوت واحد لمن أقنعهم بالرحيل (إذا عدتم عدنا). لكن النظام عاد والثوار تفرقوا.يتبع

د. نور الدين العلوي*
كان صباحا مطيرا يوم رفعوا خيام الاعتصام بعد اتفاق دُبِّرَ بليْل. قالوا بصوت واحد لمن أقنعهم بالرحيل (إذا عدتم عدنا). لكن النظام عاد والثوار تفرقوا أيد سبأ؟

ليس القصد هنا التأريخ للثورة التونسية؛ ولكنها أسئلة تفرض نفسها على المتأمل في ما جرى، ولا تروم إجابة حينية فلا أحد يتواضع للمعرفة، ويزعم امتلاك الحقيقة. لماذا عاد النظام القديم، ولم يعد الثوار كما أنذروا يوم رحيلهم بالعودة؟ الإجابة لن تخلو من شجن.

الشيطان يقود
كان من الطبيعي بعد نصف قرن من التفقير السياسي، وتخريب العقول أن لا تجد الثورة التونسية قيادة سباقة تفتح الطريق، وتطرح المطالب وتفاوض باسم الثورة. لذلك غلبت العفوية ثورة 17 ديسمبر (الحال من بعضه في ثورة يناير المصرية). عفوية يدفعها القهر ورد الفعل أكثر مما يقودها خط ثوري واع يملك خريطة إستراتيجية يقسمها إلى خطوات تكتيكية. اندس النقابيون القاعديون في مفاصل التحركات ووفروا لها ملاذا في المقرات. أحد ما مجهول الهوية كان يدفعها إلى العاصمة دفعا بعمليات قنص تزيد في لهيب النفوس المكلومة. القناص كان شيطانا يملك خطة.المحامون الذي رجوا باب الداخلية كان بعضهم بيد الشيطان والبعض الآخر أقرب إلى شباب تالة والرقاب ودوز (يحمل قلبه وكفنه). سقط رأس النظام فقط. أما الجسم فنجا من المقصلة.

الشيطان حقق هدفه. أنقذ الجسم. ركب له رأسا جديدة. الثوار العفويون ذهلوا ثم اطمأنوا ثم انتبهوا للخديعة عادوا مرتين للشارع. في الأولى والثانية خدعوا لغياب القيادة. الشيطان اخترق الصف.اصطنع النقابة وجيرها بالحيل القديمة. التقسيم القديم استثماره السابق.غول الإسلام السياسي الذي خرج من تحت الأرض، وقد ظن أنه انقرض. يجب حذف هذا العنصر من المشهد. عام 2011 كان تحايلا لتحقيق هذا الاحتمال. القيادة الثورية لم تتشكل. والانتخابات لم تكرس مطالب الثورة. القلة التي وعت بالحيلة لم تكن قوية بقدر كاف لتغير المسار. انخرط الجميع في التحول الديمقراطي السلمي. بشروط الشيطان إياه. ماذا كان يريد الشيطان؟

في صراع الحريم يخسر الرجال
إبقاء الأمرعلى ما هو عليه.النظام كاملا إلا من رأسه القديمة. صار ضررها أكثر من نفعها. كان مطلوبا إسقاطها والإيهام بتغيير ولا بأس من نفخ اللّغة الثّورية والانخراط في لعبة الكلام الجميل. الأطفال يحبون ذلك وقد أُعْطُوا، وعلى الأرض كان الكهول يرمِّمون النظام ويرشون الشباب باللغة الجميلة وبالتدريج. حتى وصلنا إلى قانون المصالحة في أوت 2015. انتخابات 2014 أعادت رأس النظام السياسي ببعض الوجوه الجديدة وبأغلب الطاقم القديم. وقانون المصالحة أعاد ترميم القاعدة المادية للنظام. والثوريون في الأثناء ينخرطون في معارك التلهية. يطرح مثقفو النظام شرعية إتيان المرأة من دبر فيرد الشارع بضرورة إطالة اللحية قبضتين. لم ينفك النظام يملك تسيير اللعبة كلها فهو المُخرج، والشارع كومبارس طيع.

لم يعد الثوار. لأنهم لم يفهموا السيناريو ولا حيل المخرج. زرع بينهم معركة استئصال شق من الشارع. فانخرط الشق الآخر في اللعبة. وكلما لاحت بوادر وعي أربكها بمعركة جانبية. ووصل الأمر إلى الاغتيالات ثم إلى توظيف الإرهاب الذي يبدو كأنه عنصر طارئ على المشهد ولكن أفلح النظام في توظيفه. فصار جزءا من المشهد يتحرك بالروموت كنترول. يجب إبداء الإعجاب هنا بقدرة النظام على إدارة معركة تبديل جلده.

للصدفة كان الناس يتابعون بموازاة ذلك مسلسل حريم السلطان، وعرفوا قدرة الكيد الحريمي حيث يضيع الرجال في تلافيف الإشاعات والمكائد. تصرف النظام كحريم  ملكي خبيث يملك خصيانا مستعدين لحمل الإشاعة إلى مداها وإرباك القدرة على  النجاة من الحبائل الحريمية المحترفة. الرجال يخسرون في معركة لا يملكون أساليبها. هنا انتهى شباب الثورة تائها بين روكسانا النظام وسنبل أغا الإعلامي المدرب على الكذب. (للتذكير سنبل أغا خصي ذكي له دور مركزي في المسلسل التركي حريم السلطان)

ممنوع النضج السياسي.
رغم ذلك خلقت المعارك وعيا كبيرا بالمشهد. وبدأت بوادر الفعل الثوري تتجدد من نفس الخميرة التي لم تمت رغم معارك التلهية. والمعركة مع النظام القديم تقف على أهبة الاستعدا؛د لكن دون قيادة مرة أخرى في معركة الوعي تتخلَّف النخبة مرة أخرى. هنا ثانية وعاشرة نقف في قلب معركة الغنائم والمبادئ. نغير البلد والثقافة ونعيد بناء المؤسسات على أصول قانونية شفافة أم نتدبر موقعا في طريق إلى هذا التغيير الذي كلما جيَّرناه للفردانية طال واعوج وتاه فيه السائرون الصادقون.

الشيطان الكامن خلف التفاصيل الأولى يعرف هذه النخبة. يعرف من رباها وعلى ماذا تربت إنها صناعته وقد عوّل عليها ونجح. عندما رج بعض رموزها أبواب الداخلية كانوا قد قبضوا وشاركوا في اللعبة منذ البداية.

المتاهات القانونية هو تخصصها الجميل الذي يتوه العامة العفوية (حتى الدستور الجديد لم يكن مطلبا جماعيا فالأمر لم يكن يتعلق بتغيير النص بل بتغيير الواقع) يشبه الأمر منافسة رامي الرمح مع لاعب الشطرنج على رقعته.

انتبه الكثيرون إلى الخديعة ولكن عوض الاستدراك بدأت حملة التشكيك في الثورة. أحد الذين أخرجتهم الثورة من الظلام فصار مديرا لدار الكتب قال  “نغلق قوس الثورة”. لم تعد التنمية هي الموضوع صار الموضوع هو الإرهاب. والإرهاب جر التكفير  والتكفير جر الاحتراب الثقافي في انتظار انفجار عنف غير ثوري.

الوعي يبدأ ثم يضلل في دائرة مغلقة. يدخل عليه الشيطان دوما بموضوع جديد وبوجوه جديدة من النخبة كانت مخفاة ليوم معلوم كلما انفضحت وجوه ظهرت أخرى.الحاوي وجراب الأفاعي الذي لا يفرغ.

عاد النظام لأن الثوار لم يبنوا وعيهم بالمرحلة. اللوم ليس على الشباب العفوي الذي انطلق ذات 17 ديسمبر بل على النخبة المتعلمة والمناط بها نظريا أن تساعد وتوجِّه وتطرح البدائل في كراسات نظرية وأخرى عملية تنفيذية. هذه النخب لم تكن في الموعد. بل قاتلت في صف الأعداء. وقفت مع مصالحها الصغيرة  الفردية والأنانية مع رواتبها وسياراتها.

في هذا القول تعميم (وظلم للبعض) ولذلك فإن من شذ عنه وزعم الانتماء للثورة معلق الآن على مشجب الثورجية ومهدد بقانون الإرهاب. ولولا حرية المواقع الافتراضية التي لم يسيطر عليها بعد(في انتظار تطبيق حرفي لقانون الإرهاب) لصارت كل كلمة في اتجاه الثورة كفر بواح بالدولة.

ما العمل بدون لينين ؟
ليت هناك وصفة جاهزة لاستئناف الثورات. فالأمر معقد أمام حالة فقدان الثقة في النظام القائم وفي النخب التي تحتل مكان المعارضة وتُسَوِّق الثَّوْريَّة. يوجد في المشهد الآن محامون يدافعون عن مظلومية الثورة. ويوجد جامعيون يتكلمون بصوت عال معها ولها. يوجد سياسيون أفرادا  يتمسكون بحزمة مطالب الثورة لكن هذه الأعواد السليمة لم تجتمع بعد في حزمة أنصار الثورة فهم شتات كأن بينهم ثارات وليس ثورة تحتاج حماية). لذلك فإن تشتتهم يزيد من إحباط المؤمنين بهم وبدورهم لذلك تلح الأسئلة المرة.

هل ندخل بياتا شتويا حتى يولد لينين جديد ويقود الثورة أم نتحول إلى لينين في التّو واللحظة. الإجابتان  لا تستقيمان مع اللحظة. هل ننشر خطابا متفائلا لرفع العزائم في انتظار معجزة ما تقع في بلد آخر يعطينا نفسا ثوريا؟ هل نبث الإحباط ونثبط العزائم حتى يصل الناس إلى الدرك الأسفل من الألم فيثورون؟
ليس أسهل من طرح الأسئلة؛ لكن القارئ يصدر عنها عطشانا. والعزاء الأخير أن أول الوعي الشك بعسر الطريق وقلة الرفقة.

لقد عاد النظام لأنه يملك إجابة عما يريد. الحفاظ على نظام المصالح والمكاسب ومواقع الغنيمة بكل السبل وأولها الغدر والخيانة والكذب والإرهاب والترهيب والابتزاز. لم يعد الثوار لأنهم وإن أحسنوا طرح الأسئلة فإنهم لم يتقنوا تأليف الخرائط. الثوار “عالم بلا خرائط” مليء فقط بالأمنيات.وعليهم خوض “سباق المسافات الطويلة”. ليخرجوا من”شرق المتوسط” ويبنوا دولة فوق الحد الأدنى المعيشي. وهي حتى الآن مطمح جميل يخونه أولا من اتخذه مطية لمجده القصير. ولم يعد يخافه نظام عرف كيف يعبث به باستعمال سنبل أغا وبعض الانكشارية المحترفين.
 

__________________________

*كاتب تونسي- استاذ علم الاجتماع 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة