نهب الوطن تحت راية حماية الأمن القومي

الإعلام المغرض يستخدمة النظام الفاشي في تبرير فاشيته، وللأسف نجح الإعلام في نشر عقيدة كاذبة بين الفقراء مفادها أن حياتهم وأمنهم يرتبطان بالالتفاف حول النظام.. يتبع.

محمد منير*
   التدابير والمحظورات التي تفرضها الحكومات من أجل حماية الوطن من المخاطر التي تهدد أمنه القومي، أصبحت أكثر خطورة على الوطن من المخاطر ذاتها التي تسوقها الأنظمة لتبرير المحظورات  والتضييق على الحريات، والتي تصل الى حد تقييد حرية المواطنين ومطاردتهم وربما قتلهم ، فأي مخاطر على الوطن وأمنه القومى أخطر من حرية وحياة المواطن، هذا مع اعتبار أن المخاطر على الأمن القومي أصبحت عبارة فضفاضة وحمالة أوجه، وأحيانا يطفو على السطح مخاطر صناعة محلية؟
منذ عدة أيام كنت استمع لمحاضرة ألقاها رئيس تحرير إحدى الصحف المصرية، وبدأها بجملة “في حالات الخطر على الأمن القومي يجب إيقاف كل ما يتعلق بحرية التعبير والديمقراطية وليوحد الجميع جهودهم من أجل مواجهة الخطر المهدد للأمن القومي”  واستكمل رئيس التحرير الخليجي مقاله على الخط نفسه وساق الأدلة على المخاطر التي تحيط بالأنظمة العربية والتي تحتاج إلى تنازل الشعوب عن أي خلاف بينها وبين حكومتها من أجل مواجهة هذه المخاطر، وفي الوقت نفسه أكد أن الديمقراطية الغربية مجرد مزاعم ووهم، وزعم أن حكومات الغرب تتدخل بالمنع والحذف والتقييد لحريات التعبير والنشر!
الحقيقة أنني لم أشعر بأنني أمام خطاب غريب، فالخطاب واحد في كل الأنظمة التي تحاول أن تثبت حكمها وتفرضه بكل السبل، ومنذ أن وعيت على الدنيا والحديث عن أن مخاطر تحيط بالأمة تستوجب تنحية كل الخلافات، وتنحية كل الخلافات يا سادة تعنى التنازل عن كثير من الحقوق، ليس على مستوى التعبير والنشر فقط، وإنما القبول بكل سياسات الأنظمة القائمة من استغلال وقهر وإفقار وتجهيل وما يستتبعه من انهيارات على المستوى الصحي والثقافي والاجتماعي، وتظل الطبقات الفقيرة المقهورة تعاني أزماتها المتصاعدة وعليها الصمت باسم الحفاظ على أمن الوطن، بينما الصفوة من الطبقات المحيطة بصناع القرار تنعم بحياة رغدة ثرية، على النقيض تماماً من بقية الطبقات الشعبية، فالذي يدفع ثمن الحفاظ على الأمن القومي هم الفقراء والمطحونون من أبناء الوطن.
المشكلة الكبرى هي الممر الوسيط بين النظام والشعب، وأقصد به ممر الإعلام المغرض الذي يستخدمة النظام الفاشي في تبرير فاشيته ،وللأسف نجح الإعلام في نشر عقيدة كاذبة بين الفقراء مفادها أن حياتهم وأمنهم يرتبطان ارتباطا وثيقا بالالتفاف حول النظام الحاكم والطبقات المسيطرة في مواجهة إرهاب مزعوم، وتشكيلات إرهابية وهمية.
والحقيقة أن شراسة الأنظمة والمستفيدين منها ومن نهب خيرات هذا الوطن وأسلوب الحياة التي يعيشونها والمبالغ في رغدها، يجعلنا نقبل تصور أن كثيراً من الأحداث الإرهابية التي تستند عليها الأنظمة فى فرض قوانين استثنائية وحكم إستثنائي يقصي الديمقراطية، إنما هي حوادث مصنوعة بحرفية شديدة تظهرها وكأنها وليدة خطر خارجي يهدد الأمن القومي، أو خطر جماعات خائنة للوطن، والتي غالبا ما تكون عناصرها من المعارضين للنظام الحاكم لتتأكد المعادل ، أن أى معارضة للنظام فى ظل الأزمة (المفتعلة) هي خيانة وعمالة ، ولتصبح الساحة ممهدة للطبقات والفئات الناهبة لخيرات هذه الأمة ولتنقسم الأمة إلى قسمين: قسم كبير مطحون وجائع ومريض وجاهل يدور في الساقية وعينه مغماة كالثور، وقسم صغير يحصد كل الخيرات ويلهب جسد المطحونين بسوط فزاعة الإرهاب، تعاونه فئات العملاء من الإعلاميين والمعارضين الكرتونين الذين يطمحون في فتات من الخيرات المنهوبة مقابل ترويج منطق السيد المغتصب.
حقيقة واقعة غائبة يا سادة وهي أنه عندما تنكشف سياستكم الفاشلة في تحقيق أية تنمية ونمو في الاقتصاد، ويزداد الفقر والجوع والمرض والجهل ستصبح الحياة في معسكر الأغلبية المطحونة مستحيلة بدون ثورة، وهذه المرة ستكون ثورة أكثر عنفا وأكثر جذرية، بعد أن غرقت الثورة السابقة في وهم السلمية.

 ________________________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة