ولكم فى الحظر منافع

هناك تساؤل مشروع: ما مصير القضايا التى حكم فيها هذا القاضى المشكوك فى ضميره وذمته؟ وهل يجب مراجعتها مرة أخرى؟ وهل يجب محاكمة وزير العدل.. يتبع.

محمد منير*

 
أصدر النائب العام المصرى منذ عدة أيام قراره بحظر النشر فى قضية القاضى المتهم بطلب رشوة جنسية، وبمجرد صدور قرار الحظر انتشر الخبر بتفاصيله بسرعة انتشار النار فى الهشيم .
ومن الثوابت المجتمعية فى مصر أن المصريين لا يتعاملون مع قرارات حظر المعلومات بجدية خاصة وأن تداول المعلومات فى مصر لا يعتمد بشكل كبير على القنوات الاعلامية التى يمكن أن تخضع إدارياً للحظر الرسمى، فالقنوات غير الرسمية الشعبية هى الممر الرئيسى للمعلومات لدى المصريين وغالباً ما تكون معلومات حقيقية وموثقة.
قرار الحظر فى الحادث تحديداً كان مرتبطاً بموضوع من الموضوعات التى تثير اهتمام المصريين لتعلقه بالقضاء؛ وهو الموضوع الذي يلقى قدسية داخل نفوس المصريين منذ فجر التاريخ ، حتى أن إحدى البرديات الفرعونية ربطت بين انهيار العصر وفساد القضاة ، كما أن الموضوع يتعلق بقاض كان اسمه يتصدر المشهد الإعلامي والسياسي في مصر عندما أصدر حكمين في قضية واحدة بحق إعلامي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظام الحاكم، الحكم الأول بالإدانة والحكم الثانى بالبراءة في القضية نفسها والدائرة  نفسها التي أصدرت الحكم الأول، وهو القاضي نفسه الذى أصدر حكما شديد الغلظة بحق طالبات جامعة الأزهر بتهمة التظاهر ضد النظام، ومثل هذه الأحكام غير مألوفة وخارج حدود المنطق .
صدرت هذه الأحكام وهذا الواقع للمصريين اقتناعا بتدخل السلطة فى أحكام القضاء، والأخطر ظهر فى المشهد ما يمكن وصفه  بالقاضي الحكومي أو النظامي أي القاضي الذي يصدر أحكامه طبقا لهوى الحاكم ورجالات الحكم .
والمنطق والعقل يؤكدان ضرورة وجود مقابل مجز للقاضي الذي يصدر أحكامه  لاعتبارات مخالفة لضميره ومتعارضة مع العدل، وهنا تبدأ الخطوة الأولى في عملية الإفساد ، فما تقدمه الدولة للقاضي الموالي لها لا يقف عند حدود المقابل المادي، وانما يتجاوز هذه الحدود إلى فرض مظلة حماية على انحرافات القاضي وتجاوزاته، وهو ما يفسر عدم حرص هذا القاضي على اتخاذ الحيطة عند  طلبه الرشوة الجنسية وممارستها بفجور اللامبالي والمعتمد على حماية النظام والحكوم ، وهو أيضا ما يفسر محاولات وزير العدل إفساد القضية والتستر على جريمة القاضي، إلا أن بينة الجريمة وفجورها استفزا ضمير الجهات الرقابية التي سجلت للقاضي حديثه الذي يطلب فيه الرشوه فلم تستجب لضغوط وزير العدل، وسربت الموضوع عن عمد للإعلام واحتمت بالرأي العام ، وهو ما وضع الحكومة ووزير العدل في حرج وتخبط  إلى حد إصدار قرار حظر النشر، غير مدركين معنى ما يحتويه القرار من اعتراف ضمني بالجريمة، والمحاولات الساذجة التي حاولها القاضي ومساندوه في الحكومة من إعلان أن الأمر كله إشاعة وراءها جماعة الإخوان، هي الشماعة المعتمدة الآن للتبرير الرسمي، ما يعكس استخفافا بالخطاب الحكومى الموجه للشعب.
وحقيقة أخرى أدت إليها الروايات المتداولة حول الحادث، تؤكد  أن الكشف عن الجريمة كان بسبب أن السيدة التي راودها القاضي لتقديم الرشوة الجنسية تنتمي لعائلة من أصحاب النفوذ، وهو مايعنى أن هناك جرائم أخرى مماثلة لم تتكشف لعدم وجود نفوذ للأطراف المنتهكة وهي قاعدة “ماخفي كان أعظم “. وفى النهاية هناك تساؤل مشروع : ما مصير القضايا التى حكم فيها هذا القاضى المشكوك فى ضميره وذمته؟  وهل يجب مراجعتها مرة أخرى؟  وهل يجب محاكمة وزير العدل عن محاولاته الواضحة للتستر على جريمة قاض  فاسد؟!
أمور كثيرة تحتاج لتوضيح
_______________________

* كاتب صحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة