مع الصّحفي الإسباني الفارّ من مصر

المشكلة أنه أكد سلميّة نهج حركة الإخوان المسلمين في مصر رغم الاستفزاز والعُنف والجُرم المسلّط عليهم، ورغم النّقد الكبير الذي لحق الجماعة من أنصارها.. يتبع.

عبير الفقيه*

أثار خبر هروب الصحفي الإسباني ومراسل القاهرة بصحيفة “الباييس” في مصر في أواخر شهر يونيه، على إثر تلقّيه تنبيها من إدارة الجريدة جدلا بالسّاحة الإعلامية الاسبانية و العالمية
 فقد عبّرت الخارجية الإسبانية لإدارة الجريدة عن عدم تحمّلها أي مسؤولية في حالة حصول أي ضرر لمراسلها في مصر مع تحفّظ شديد عن التّصريح بمصدر الخطر و بنوعه.
وما كان من الصّحافي المعني بالأمر ” ريكارد غونثالث” إلّا أن يغادر القاهرة يوم تلقّيه التنبيه خوفاً على حياته، من نظام لا يحترم الحريات و لا أدنى شروط العمل الصّحفي
 بما جاء في هذا الكتاب، وما جري مع صاحبه جعله يهرب من القاهرة خوفاً على حياته، من نظام لا يحترم الحريات، وهو ما جعلني أهتم بحضور ندوة عقدت للصحفي هنا في إسبانيا حول كتابه المثير للجدل.
“ريكارد غونثالث”، الصحفي بجريدة “الباييس” الإسبانية ومراسلها في مصر منذ العام 2011. تميّز بمعرفة عميقة بدقائق تفاصيل الثورة والشأن المصري، ولا غرابة، فالشاب الثلاثيني توّج شغفه بالملفّ العربي بدراسات جامعية متنوّعة في اللغة العربية والعلوم السياسية وعلوم الإسلام. وقد عزّز اندماجه في المجتمع المصري الذي أقام فيه بصفة متواصلة منذ تسميته مراسلاً للجريدة المذكورة هناك إتقانه للّهجة المصرية واللغة الانجليزية والفرنسية، إذ تنقّل بحكم عمله كصحفي  لجرائد أخرى من واشنطن إلى لندن. وحَتْما ساهمت هذه التجربة – كما يقول – في قربه من وجوه معارضة عربية معروفة في المهجر والتعرّف على أفكارها، وسهّلت له بعد ثورة يناير متابعتها على أرض الواقع.
وككلّ صحفي مهتمّ بالشأن المصري تابع “غونثالث” تطوّر سير الأحداث بجميع أبعادها، والتزم بحدّ واضح من الموضوعية في النّشر بوصفه يقف على مسافة من كل الأحزاب {رغم قساوته الواضحة على أخطاء الإخوان} وواصل عمله الصّحفي بالنّسق نفسه من الشّجاعة والحرص على المصداقية حتّى بعد الانقلاب. و لم تُرعبه لا التهديدات الصّادرة عن حكومة السيسي الجديدة لقطاع الإعلام عموماً ولا حتى الاعتقالات العشوائية في صفوف الصحفيين الذين لم يستسيغوا قاعدة ” تلك حدود السيسي فلا تقربوها” ولم يلتزموا بالـ” سكريبت” المُوحّد الذي ردّدته الأصوات والأقلام المحلّية {مُرغمة غالبا أو ربّما طائعة لأسباب خاصة}.
 يوضّح الصحفي الإسباني أنّه زاول عمله الصحفي في مصر بعد الانقلاب من دون مواجهات مباشرة مع النظام، إذ عانى فقط التّضييق والحواجز التي يفرضها هذا الأخير على كلّ من طالته أياديه من مؤسسات إعلامية. إلّا أنّ زيارة السيسي لمدريد في 29-30 من أبريل/نيسان الماضي و ما صاحبها من مقالات في جريدة الباييس عبر مراسلها، جعلت اسمه يطفو إلى سطح المواجهة وربما الاستهداف. منذ اعتبر غونثالث، أن السيسي بزيارته إسبانيا و باقي دول أوروبا، إنّما يبحث عن شرعية لا أكثر. فالرئيس العسكري، فاز بمنصبه عبر انقلاب واضح المعالم على محمّد مُرسي، أوّل رئيس  منتخب شرعيّا. و لم يكن لينال الرئاسة لولا حملة الترهيب والتقتيل وتكميم الأفواه التي توخّاها. وأنّ أخطاء الإخوان المسلمين في الحُكم، على فظاعتها، لم تكن تستوجب ذلك المستوى من الدّم والانتقام.
وربّما كان نسق غونثالث تصاعديّا في النّقد لأداء الحكومة المصرية من يومها {على قدر الأفعال الواقعة كما يُوضّح} إضافة إلى اهتمامه إلى حدّ التغلغل في دراسة الإخوان المسلمين و خصِّهِم بكتاب من تأليفه أصدره باللغة الإسبانية أواخر شهر مارس “صعود و سقوط الإخوان المسلمين”. و تمّت مناقشته يوم الأربعاء 22 من يوليو/تموز في برشلونة إثر تأكيده للقرار النهائي بعدم رجوعه إلى مصر تجنّبا لأي مكروه يصيبه.
وللتذكير فإنّ الصّحفي تلقّى في منتصف شهر يونيو/حزيران تحذيراً من إدارة “الباييس” بأن يغادر مصر لأنه صار مستهدفاً، فالنّظام المصريّ اتهم الصحفي الإسباني بمحاباة الإخوان وتلقّي أموال منهم كلّما اشتدّت وطأة قلمه عليه. وهي تُهم تسيء للنظام في حدّ ذاته لأنّ المتابع لما ينشره “غونثالث” والمتصفّح للكتاب، يقف بوضوح على محاسبته الشّديدة للإخوان المسلمين، التي تصل به حدّ اعتباره لهم مخطئين في جانب ما في مجزرة رابعة والنهضة {باعتبارهم لم يمتثلوا لتهديدات النّظام حينها والزّجّ بالمرابطين في الميدانين كثمن لهذا الموقف}. فهو يُغْفِلها { كحدث تاريخي} في عديد اللّقاءات التلفزيونية والإذاعية التي تتناول تلك الحِقبة، و يمرّ عليها بإيجاز في الكتاب. في المقابل يستأثر الجزء الأكبر من “صعود و سقوط الإخوان المسلمين” بطرح تاريخي لولادة الحركة الإسلامية في مصر، تطوّرها، رموزها، المظالم التي تعرّضت لها، تجربتها السياسية بعد ثورة يناير، حلفائها، أخطائها، والثّمن الذي دفعته مقابل الفشل.
بيد أن المشكلة أنه أكد على سلميّة نهج حركة الإخوان المسلمين في مصر رغم الاستفزاز والعُنف والجُرم المسلّط عليهم، ورغم النّقد الكبير الذي لحق الجماعة من أنصارها، بلغ ببعضهم الى الانشقاق  الالتحاق بصفوف الجهاديين في داعش.
وحاول الكاتب الإلمام بالتحوّلات في مستوى الخطاب على صعيد قيادات الحركة ومتابعة صداها في المجتمع عبر كل الأزمات التي مرّت بها منذ عهد “عبدالناصر” وصولا إلى تغيّر النّبرة  بعد فوزهم في انتخابات 2012. فهو يعتبر حكومة الإخوان بالغت في الثقة في النفس إلى درجة جعلتها تُقْدِم على أخونة الدّولة بالدّستور الذي أعدّته.
المُتصفّح للكتاب يقف على إلمام بتاريخ الإخوان المسلمين و حاضرهم وبالشّأن المصري عموما وبمعرفة جيّدة بالتّحولّات الإقليمية والدّولية والتّحالفات على اختلاف مصالحها، والتي تساهم كثيرا في توجّه خطّ الواقع السياسي المصري، إلّا أن الكاتب لا يرجّح التنبؤ بأيّة نتيجة في مستقبل مصر لأن الوضع حسب رأيه لا يخضع لأي منطق.
ولم تمنع موضوعية الصحفي الإسباني ونقده للإخوان من دفعه للهرب من مصر فاراً بجلده من سلطة مستبدة
_____________________

*كاتبة تونسية مقيمة في إسبانيا 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة