صراع قوائم الأحزاب في مصر

وبين أي ائتلاف لأحزاب رجال الأعمال سيكون هناك حزب “المصريين الأحرار” الذي سيتحول إلي حزب الأقباط، وبالتبعية سنجد أننا استيقظنا علي حالة طائفية.. يتبع

عبده مغربي*

 

في كل مرة يتم فيها الإعلان عن اقتراب موعد فتح باب الترشح لانتخابات مجلس النواب في مصر، تدب الحياة في الأحزاب والتيارات السياسية من جديد، حيث تبدأ في استقبال طلبات المرشحين، وتجهز نفسها لمشاورات إعداد القوائم التي غالباً ما يصاحبها حالة من الصراع والسباق بين الأحزاب التي تسعي إلى فرض العدد الأكبر منها في كشوف مرشحي هذه القوائم، وفي كل مرة يتم فيها الإعلان عن اقتراب فتح باب الترشح أيضاً تتبرأ كافة الائتلافات السياسية من حزب النور، ويقوم الحزب المغلوب علي أمره في كل مرة بإعداد قوائمه  منفرداً لخوض هذه الإنتخابات، وفي كل مرة يتم فيها الإعلان عن اقتراب فتح باب الترشح نجد من يتحث عن قائمة بعينها ويقول إنها مدعومة من الرئيس “عبد الفتاح السيسي” والأجهزة الأمنية.
 في كل مرة تحدث نفس الأمور، ونفس التصريحات، ونفس التخبطات، لا شئ يتغير، وفي كل مرة تجد القائمة المزعومة بدعم الدولة تواجه صعوبات في إعداد كشوف مرشيحها، وفي كل مرة تجد حزب النور  يعمل في صمت وبهدوء غريب يتسبب عادة في إثارة رعب الأحزاب المدنية.
الأحزاب الفضائية
التفسير الوحيد لهذه الظاهرة التي تتكرر مع كل موعد لاقتراب فتح باب الترشح لانتخابات مجلس النواب هو أن هذه الأحزاب ما هي إلا أحزاب كرتونية وورقية، ولا وجود لها فعلاَ علي الأرض،  ي موجودة فقط بقوة وجودهاعلي الفضائيات وصفحات الجرائد، فلو أن أحد هذه الأحزاب أو بعضها ممن شكلوا فيما بينهم تكتلاً سياسياً له وجود حقيقي علي الأرض، لما شهدنا هذا الصراع ، ويكفي فقط مجرد استبيان أو استطلاع بين قواعدها في الشارع لتحديد الأجدر الذي يحظي بالقدر المناسب الذي يؤهله للترشح، لكن لأنه لا وجود لها فعلاً علي الأرض فإنه من الطبيعي أن تدب الصراعات فيما بينها من الداخل أو بينها وبين غيرها من الأحزاب داخل الائتلاف الواحد.
قائمة تحيا مصر
مطلع الأسبوع الجاري عقدت قائمة “تحيا مصر” التي دعا لها رئيس “حزب التحرير” وخبير البترول الدكتور إبراهيم زهران اجتماعها التأسيسي الأول بمقر حزبه  في مدنية نصر شرقي القاهرة، وحضره عدد من الأحزاب والشخصيات السياسية الفقيرة، ويفهم المصريون  كيف يميزون الأحزاب الغنية من الأحزاب الفقيرة من خلال الأسماء الي تقف وراءها، فمثلاً حزب الوفد حزب غني لأنه يضم بين صفوفه عدداً من رجال الأعمال، أيضاَ حزب “المحافظين” حزب غني لأن صاحبه أو رئيسه رجل أعمال  هو “أكمل قرطام” امبراطور البترول وصاحب “جريدة التحرير” كذلك حزب” الإصلاح”  من الأحزاب الغنية لأن صاحبه أو رئيسه هو رجل الأعمال “محمد أنور السادات” ابن شقيق الرئيس المصري الراحل “أنور السادات” والأمر نفسه مع حزب “المصريين الأحرار” لمؤسسه رجل الأعمال الأشهر في مصر “نجيب ساويرس” وأياً من هذه الأحزاب الغنية لا يمكنه أن يشارك في قائمة “تحيا مصر” لعدة أسباب من أهمها أن الداعي والمنسق لهذه القائمة هو واحد من أشرس المحاربين لأباطرة آبار البترول المصرية وصفقاتهم مع وزارة البترول المصرية بإعتباره خبيراً في مجالهم وأحد قيادات الوزارة السابقين الذي يعرف الكثير من أسرار صفقاتهم.
 بعض أحزاب رجال الأعمال بالمناسبة يشكلون فيما بينهم تكتلاً سياسياً يسمي  ائتلاف “الوفد المصري” يضم اثنين من هؤلاء الأباطرة الذي كونوا ثرواتهم من إستخراج وتجارة النفط، وهما ” أكمل قرطام”  رئيس حزب “المحافظين” الذي يمتلك حصصاً في أكثر من حقل مصري لإنتاج الزيت والغاز، و”محمد أنور السادات” رئيس حزب “الإصلاح” الذي جمع ثروته من صفقات نفطية ما تزال محل تحقيق لدي الأجهزة الرقابية.
 نادي أحزاب رجال الأعمال
ولأن نادي أحزاب رجال الأعمال تربط بين أعضائه علاقات وثيقة، فليس من الطبيعي أن تضم قائمة “تحيا مصر” أياً من أحزابهم، لكنه وعلي الرغم مما سبق فإن القائمة الجديدة “تحيا مصر” تحاول أن تكون بديلة أو منافسة لقائمة “في حب مصر” التي دعا لها في السابق الدكتور “كمال الجنزوري” وبعد عجزه عن إعداد كشوفها علي النحو الذي يرضي الأحزاب التي تشكلت منها، تركها الدكتور “الجنزوري” خاصة بعد الشكوك التي حاصرتها بأنها مدعومة من الدولة، ليتسلمها اللواء “سيف اليزل” الذي زاد من هذه الشكوك كونه أحد الذين يتحدثون باسم الدولة، حتي ضعفت وهانت وتوقف الحديث عنها تماماً بعدما خرج الدكتور “السيد البدوي” رئيس “حزب الوفد” أحد أحزاب هذه القائمة واتهم الأجهزة الأمنية بالتأثير علي تشكيلها.
أزمة مصطفي بكري
هذا الاجتماع لقائمة إبراهيم زهران “تحيا مصر” المناوئة لأحزاب رجال الأعمال شهد مفاجأة من العيار الثقيل عندما أعلن القيادي في حزب التحرير وأمينه العام في محافظة قنا “محمود عبد المريد” بأن الكاتب والإعلامي “مصطفي بكري” قال في حفل إفطار  أقامه بمحافظة قنا ودعا إليه القيادات الشعبية بالمحافظة إن : “قائمة (في حب مصر) ما زالت موجودة، والرئيس السيسي شخصياً يقف وراءها ويدعمها” وهو تصريح من “عبد المريد” عن “مصطفي بكري” أصاب المجتمعين بالصدمة والهياج حتي أن “رجب هلال حميدة” الحاضر في هذا الإجتماع طلب من عبد المريد تسجيلاً لهذا الكلام ليتقدم به في بلاغ إلي اللجنة العليا للانتخابات.
سيظل هذا اللغط دائراً بين الأحزاب، وستظل المناقشات والصراعات داخل هذه الائتلافات وبينها وبين غيرها مستمرة، بينما حزب النور المرفوض منهم جميعاً يعمل علي الأرض بهدوء، لنكتشف في النهاية أن الصراع في الانتخابات المقبلة سيكون طائفياً بإمتياز بين حزب النور بخلفيته الدينية المعروفة، وبين أي ائتلاف لأحزاب رجال الأعمال سيكون من بينه حزب “المصريين الأحرار” الذي سيتحول على رغبة منه إلي حزب الأقباط، وبالتبعية سنجد أننا استيقظنا علي حالة طائفية في الانتخابات يؤججها ويؤسس لها تصريحات من عينة تصريح الإعلامي “مصطفي بكري” الذي يقول بأن قائمة “في حزب مصر” مدعومة من الدولة، ليبقي الناخب المصري محشوراً في صراع طائفي فقط لأنه لم يجد القائمة أو الإئتلاف الذي يجسد استقلالاً حقيقياً يرعي مصالحه أمام تغول الدولة، خاصة وأن ائتلافاُ فقيراً مثل ائتلاف”تحيا مصر” بهيئته الحالية لا يمكن أن يصمد في ظل ظروفه المالية أمام أحزاب رجال الأعمال القادرة بأموالها علي مواجهة حزب النور علي الأرض.
وصل بالرئيس
المشهد الانتخابي المقبل في مصر، ما زال مرتبكاً، ومؤسسات الدولة ستظل في حاجة ملحة إلي برلمان يليق بمصر، يعضد  فيها مفهوم دولة المؤسسات لا أن يهبط بها إلي طائفية بغيضة، ولن يكون ذلك كذلك إلا إذا خرس هؤلاء الذين يدعون وصلاً بالرئيس ويتحدثون باسمه ليل نهار، وربما تكون قائمة “في حب مصر” أو قائمة “تحيا مصر” جديرة فعلاً بالمنافسة، فلا يجب إضعافها بتصريحات تصب في الغالب في صالح صراعات طائفية.
 _____________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة