أحزاب كرتونية… إلا حزب الثورة

للتأكيد فإن موقف الجماعة من ثورة يناير قبل بداية الاحتجاجات كان قريبًا جدًا من موقف أحزاب النظام، فالتجمع يشكك في ثوار العالم الافتراضي والإخوان.. يتبع.

أحمد قناوي*

كانت الإجابة دائمًا لا يوجد حزب واحد مؤهل للنجاح سوى جماعة الإخوان المسلمين، كان مبارك دائمًا يلوح للغرب أنه في حالة رحيله فإن الفصيل المؤهل للحكم هو التيار الإسلامي، كان يلوح أيضًا للقوى المدنية والديمقراطية في مصر أن جماعة الإخوان هي المرشح لخلافته في حالة حدوث ثورة أو تغيير ديمقراطي، كان الهدف إدخال الجميع إلى حظيرة النظام، وقد كان، فالأحزاب الرسمية لا تنشأ إلا إذا وافق النظام على إنشائها، ولا تستمر إذا خرجت عن التراك السياسي الذي يخطه النظام ويحدد معالمه، وخير دليل على ذلك حل حزب العمل وقبله حزب مصر الفتاة، وكانت الأحزاب على هامشيتها مراقبة محاصرة تستدعى فقط لالتقاط الصور لبثها عبر وكالات الأنباء لتثبت أن لدينا تعددية حزبية

خمسون عضواً وثلاثة ضباط
أعرف حزبًا لا يتجاوز عدد أعضائه خمسين عضوًا كان يراقبه ثلاثة ضباط أمن دولة فضلاً عن عدد غير قليل من المخبرين، كما أن عددًا آخر من قيادات الحزب يقدم تقارير منتظمة لأجهزة الأمن، وبالتالي فإن الحزب – فضلاً عن أنه أصلاً غير فاعل ولا يحتاج لمراقبة – تابع للنظام الحاكم، ليس هذا الحزب استثناءً فكل الأحزاب في فترة مبارك كانت داخل الصوبة الرسمية، لا تتحرك إلا في داخلها ولا تنمو أبدًا خارج حدودها.
وكان بديهيًا أن تأتي الدعوة لثورة يناير من خارج هذه الأحزاب، كما كان طبيعيًا أن تعبر تلك الأحزاب عن رفضها لدعوة الشباب للاحتجاج يوم 25 من يناير، وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا فاعلاً ورئيسًا في الأوضاع الجديدة، ولم تعد الأحزاب الموجودة هي المكان لتبادل الآراء والاتفاق على تحركات واسعة أو ضيقة،  فهي تقبل الفتات الذي قد يقدمه النظام مثل تعيين عضو أو اثنين في المجالس النيابية (مجلس شعب أو مجلس شورى).
ولأن الرسمية كانت هي المعضلة فقد تمتعت جماعة الإخوان المسلمين بحرية أكثر، برغم أنها رسميًا جماعة محظورة، وذلك لتبني الجماعة لآليات غير سياسية للوجود والحركة والتواصل، من جمعيات خيرية إلى جلسات قراءة القرآن إلى التحرك في النقابات، ثم إلى الاشتراك في الانتخابات البرلمانية.
و حتى جماعة الإخوان كان لها قدم في صوبة النظام وقدم خارجه، وبدا أن هناك اتفاقًا غير مكتوب لكنه بات محط احترام من النظام والجماعة، فلها الحق في دخول انتخابات النقابات المهنية، وحتى السيطرة على معظم مقاعدها، ولها الحق في انتخابات مجلس الشعب في حدود بات أنها مقبولة من طرفي المعادلة، حتى أن الجماعة مثلاً تركت دوائر رموز نظام مبارك من دون منافسة، دائرة أحمد فتحي سرور (السيدة زينب) دائرة زكريا عزمي (الزيتون) دائرة أحمد عز (منوف) وغيرها من الدوائر. حتى في المرة التي دخل فيها “مجدي أحمد حسين” انتخابات مجلس الشعب عن دائرة المنيل ورفع شعار الإخوان المسلمين نفسه (الإسلام هو الحل) لم تدعمه جماعة الإخوان، وهي دائرة للجماعة نفوذ فيها، والسبب في ذلك أن العضو المنافس على هذه الدائرة كانت زوجة أحمد عز (شاهيناز النجار) وقد نجحت الأخيرة باكتساح.

الإخوان والثورة
وللتأكيد فإن موقف الجماعة من ثورة يناير قبل بداية الاحتجاجات كان قريبًا جدًا من موقف أحزاب النظام، فحزب التجمع يتحدث عن التشكيك في ثوار العالم الافتراضي، والإخوان تتحدث عن عدم استشارتها، كان هذا موقف الجماعة حتى يوم 28 من يناير تقريبًا.
أذكر أنني كنت وعددا كبيرا من المحامين في نقابة المحامين يوم الخميس 27 من يناير 2011 قبل جمعة الغضب بيوم واحد، واجتمع الزملاء وكنت معهم واتخذنا قرارًا بإصدار بيان عن المحامين داخل نقابة المحامين، تشكلت لجنة لصياغة البيان من جمال تاج (عضو إخواني) جمال حنفي (عضو إخواني، ثم عضو مجلس شعب بعد ذلك) وعدد من الزملاء. لم أكن ضمن أعضاء لجنة الصياغة، وانتهى الاجتماع ببيان مكتوب من صفحتين سُلِم للأستاذة الزميلة فاطمة ربيع المحامية (صاحبة الدعوى التي رفعت الحراسة عن نقابة المحامين) وطلبت منها الاطلاع على البيان المزمع تلاوته باعتباره صادرًا عنا، فكان عبارة عن طلب بإلغاء حالة الطوارئ، وطلب بتنفيذ أحكام القضاء فيما يتعلق بطعون مجلس الشعب، على الفوز مزقت البيان في حضور الجميع وهناك عدد غير محدود من الشهود على ذلك، كان تبريري ” هذه ثورة حقيقية وهناك شعار رفع هو إسقاط النظام ” في النهاية رضخ الجميع ولم يخرج البيان، بعد يوم 28 من يناير بات مؤكدًا أن الثورة في طريقها للنجاح فالأعداد التي خرجت من الضخامة بحيث يصعب التكهن بفشل مطالبها برحيل النظام خاصة مع انهيار جهاز الأمن، عند تلك اللحظة قرر الإخوان الانخراط في الثورة.

الحراك الصحي
لم تشهد مصر بعد 1952 حالة حراك سياسي صحي إلا في تلك الفترة بين تاريخ 25 من يناير 2011 وحتى 30/ 6/ 2013 أصبح لجماعة الإخوان المسلمين حزب سياسي وهو حزب الحرية والعدالة، وتأسس حزب الدستور، والمصري الديمقراطي الاجتماعي وحزب النور وحزب المصريين الأحرار، وحزب الوسط الذي صدر حكمه المتعثر سنوات بترخيصه، وحزب البناء والتنمية التابع للجماعة الإسلامية المصرية، هذه الأحزاب أصدرت صحفها وعقدت اجتماعاتها وكانت طرفًا أصيلاً في الحراك، فللمرة الأولى يصبح عدد مقاعد البرلمان بنسبة الثلثين بالقائمة، ويمكن القول إن وجود القائمة النسبية كنظام انتخابي ونسبة مقاعدها مؤشر على وجود حياة حزبية.
 مازلت أذكر آلاف الشباب الذين يرفعون رايات حزب الدستور وهو حزب حديث، وأجريت الانتخابات، وفاز كما هو متوقع التيار الإسلامي بأغلبية، لكن القوى المدنية الحديثة التنظيم حصلت على مقاعد لم يتوقعها أحد، ودخل البرلمان عدد من شباب القوى المدنية كان من الصعب تصور نجاحهم إلا بفضل ثورة يناير، وكان أداؤهم البرلماني مذهلاً، لم ينجح الإخوان المسلمين في تمرير قانون خاص بالتظاهر وغير ذلك، حدث ذلك كثيرًا في تجربة برلمانية لم تستمر إلا أشهرا معدودة.

وجفت المياه
بعد 30 من يونيو و3/ 7 تقريبًا جفت المياه بل وتم مصادرتها فبدا أن مباراة السباحة غير ممكنة، فضلاً عن أنها أصبحت محفوفة بالمخاطر، وعادت الحياة الحزبية دورتها من جديد ودخلت معظم الأحزاب الصوبة مرة أخرى، حتى أن استحقاق الانتخابات البرلمانية الذي تحدد بـ 6 أشهر مضى عليه أكثر من عام ولم يتم، وقانون الانتخابات التي يعلن عنها يُفصح عن أن المطلوب مجلس شعب في بيت الطاعة الحكومي أو الأمني أو العسكري لا فرق، باستثناء حزب الحرية والعدالة لكونه طرفًا في معركة الصراع على السلطة بدعوى الشرعية للانتخابات الرئاسية التي فاز بها من دون تشكيك الدكتور محمد مرسي.
كانت الحرب ضد الإرهاب هي النقلة الحديثة للخطوة التي وضعها مبارك وجعل منها فزاعة للداخل والخارج وهي جماعة الإخوان، وفي ظل الحرب على الإرهاب تم مصادرة العمل السياسي بالجملة والقطاعي، فبعد قانون أصدره مبارك بتعيين العمد في القرى من دون انتخاب وصل الأمر إلى إلغاء الانتخابات في الجامعات المصرية وحل محلها التعيين، وفي المسافة بين وظيفة العمدة في الريف المصري وبين وظيفة أستاذ وعميد ورئيس الجامعة، اُرتُكِبت كل الحماقات لتوسيع مفهوم الصوبة لتشمل حدود وطن كامل، ولم تعد حتى كما كانت صوبة براقة قد يتسبب سوء فهمها في القول إنها حديقة غنَّاء، باتت لا تطرح ولا تنبت سوى الصبار، محفوفة بعمليات قبض عشوائية طالت الكثير وبمصادرة حريات أساسية هامة كان هناك حد أدنى لاحترامها، بل باتت فكرة احترام الدستور ذاته محل شك كبير ليس من قبل الناس أو النخب باعتبارها دعوة تصدق أو تكذب ولكن بتصريح رسمي على لسان الرئيس  الدستور طموح يحتاج وقتًا لتفعيله ، وصدرت غابة من القوانين بعضها مزيد من جباية الأموال وبعضها خاص بحرية التعبير وحظر التظاهر، ومنع الطعون القضائية على العقود التي تجريها الدولة حتى وصل الأمر إلى تخويل الرئيس سلطة عزل رؤساء الأجهزة المستقلة

سر غياب حزب الثورة
حزب واحد هو الأقوى هو حزب الثورة الذي يشكل الشباب واسطة العقد فيه، ففي استفتاء 19 من مارس 2011 كان حاضرًا فتراصت الصفوف طولاً وعرضًا، وفي انتخابات الرئاسة كان حاضرًا فقدم نموذجًا مبهرًا وديمقراطيًا أصبح محل فخر وامتنان عالمي، وكان حاضراً كذلك فياإستفتاء دستور 2012، لكنه عاد فغاب عن استفتاء دستور 2014 فباتت الطوابير فارغة خاوية، وغاب عن انتخابات الرئاسة الأخيرة حتى وصل الأمر إلى حد الاستجداء لنزول الناس وتصويتهم. هذا الحزب هو الذي حسم الانتخابات الرئاسية حين منح الدكتور محمد مرسي 8 ملايين صوت في انتخابات الرئاسة، وهذا هو الحزب الذي أجبر المجلس العسكري على تحديد موعد لتسليم السلطة، وهذا هو الحزب الذي ظل محايدًا حتى الآن منذ تكشفت الرغبة الملحة لتسليم مقعد الرئاسة إلى شخصية عسكرية، ظل محايدًا بين السلطة والإخوان ولذلك طالت مدة الأزمة، وحياده ناجم بشكل أساسي من اختلافه الجذري مع الأجندة التي تطرحها جماعة الإخوان أو تلك التي تطرحها السلطة، ليظل هذا الحزب الخارج الآن عن الديكور المهترئ لأحزاب ارتضت أن تلعب دورًا أسوأ بكثير من الدور الذي لعبته في عهد مبارك.

____________________

* كاتب مصري ومحام بالنقض

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة