مصطفي بكري يورط السيسي من جديد

المشهد الانتخابي القادم في مصر، ما زال مرتبكاً، ومؤسسات الدولة ستظل في حاجة ملحة إلي برلمان يليق بمصر، يعضد فيها مفهوم دولة المؤسسات لا أن يهبط بها إلي طائفية بغيضة.. يتبع

عبده مغربي*

في كل مرة يتم فيها الإعلان عن اقتراب موعد فتح باب الترشح لانتخابات مجلس النواب في مصر، تدب الحياة في الأحزاب والتيارات السياسية ، تبدأ في استقبال طلبات المرشحين، وتجهز نفسها لمشاورات إعداد القوائم التي غالباً ما يصاحبها حالة من الصراع والسباق بين الأحزاب التي تسعي إلي فرض العدد الأكبر منها في كشوف مرشحي هذه القوائم. وفي كل مرة يتم فيها الإعلان عن اقتراب فتح باب الترشح , تتبرأ كافة الائتلافات السياسية من حزب النور، ويقوم الحزب المغلوب علي أمره في كل مرة بإعداد قوائمه  منفرداً لخوض هذه الانتخابات. وفي كل مرة يتم فيها الإعلان عن اقتراب فتح باب الترشح نجد من يتحدث عن قائمة بعينها,  ويقول أنها مدعومة من الرئيس عبد الفتاح السيسي والأجهزة الأمنية، في كل مرة تحدث الأمور نفسها، التصريحات، التخبطات ذاتها، لا شيء يتغير، وفي كل مرة تجد القائمة المزعومة بدعم الدولة تواجه صعوبات في إعداد كشوف مرشحيها، وفي كل مرة تجد حزب النور يعمل في صمت وبهدوء غريب يتسبب عادة في إثارة رعب الأحزاب المدنية.

 

التفسير الوحيد لهذه الظاهرة التي تتكرر مع كل موعد لاقتراب فتح باب الترشح لانتخابات مجلس النواب هو أن هذه الأحزاب ما هي إلا أحزاب كرتونية وورقية، ولا وجود لها فعلاَ علي الأرض،  هي موجودة فقط بقوة علي الفضائيات وصفحات الجرائد، فلو أن أحد هذه الأحزاب أو بعضها شكلت فيما بينها تكتلاً سياسياً له وجود حقيقي علي الأرض، لما شهدنا هذا الصراع فيما بينها، فيكفي فقط مجرد استبيان أو استطلاع بين قواعدها في الشارع لتحديد الأجدر الذي يحظى بالقدر المناسب الذي يؤهله للترشح، لكن لأنه لا وجود لها فعلاً علي الأرض فإنه من الطبيعي أن تدب الصراعات فيما بينها من الداخل أو بينها وبين غيرها من الأحزاب داخل الائتلاف الواحد.

 

مطلع الأسبوع الجاري عقدت قائمة “تحيا مصر” التي دعا لها رئيس “حزب التحرير” وخبير البترول الدكتور إبراهيم زهران اجتماعها التأسيسي الأول بمقر حزبه  في مدنية نصر شرقي القاهرة، وحضره عدد من الأحزاب والشخصيات السياسية الفقيرة، يفهم المصريون  كيف يميزون الأحزاب الغنية من الأحزاب الفقيرة من خلال الأسماء الي تقف وراءها، فمثلاً الوفد حزب غني لأنه يضم بين صفوفه عدداً من رجال الأعمال، أيضاَ “المحافظين” حزب غني لأن صاحبه أو رئيسه رجل أعمال  هو “أكمل قرطام” امبراطور البترول وصاحب “جريدة التحرير”، كذلك حزب” الإصلاح” من الأحزاب الغنية لأن صاحبه أو رئيسه هو رجل الأعمال محمد أنور السادات ابن شقيق الرئيس المصري الراحل أنور السادات، الأمر ذاته ينطبق على  حزب “المصريين الأحرار” لمؤسسه رجل الأعمال الأشهر في مصر نجيب ساويرس، وأيا من هذه الأحزاب الغنية لا يمكنها أن تشارك في قائمة “تحيا مصر” لعدة أسباب من أهمها أن الداعي والمنسق لهذه القائمة هو واحد من أشرس المحاربين لأباطرة آبار البترول المصرية وصفقاتهم مع وزارة البترول المصرية باعتباره خبيراً في مجالهم وأحد قيادات الوزارة السابقين الذي يعرف الكثير من أسرار صفقاتهم، بعض أحزاب رجال الأعمال بالمناسبة يشكلون فيما بينهم تكتلاً سياسياً يسمي  ائتلاف “الوفد المصري” يضم اثنين من هؤلاء الأباطرة الذي كونوا ثرواتهم من استخراج وتجارة النفط، هما ” أكمل قرطام”  رئيس حزب “المحافظين” الذي يمتلك حصصاً في أكثر من حقل مصري لإنتاج الزيت والغاز، ومحمد أنور السادات رئيس حزب “الإصلاح” الذي جمع ثروته من صفقات نفطية ما تزال محل تحقيق لدي الأجهزة الرقابية، ولأن نادي أحزاب رجال الأعمال تربط بين أعضائه علاقات وثيقة، فليس من الطبيعي أن تضم قائمة” تحيا مصر” أياً من أحزابهم، لكنه وعلي الرغم مما سبق فإن القائمة الجديدة، “تحيا مصر” تحاول أن تكون بديلة أو منافسة لقائمة “في حب مصر” التي دعا لها في السابق الدكتور كمال الجنزوري، وبعد عجزه عن إعداد كشوفها علي النحو الذي يرضي الأحزاب التي تشكلت منها، تركها الدكتور الجنزوري خاصة بعد الشكوك التي حاصرتها بأنها مدعومة من الدولة، ليتسلمها اللواء سيف اليزل الذي زاد من هذه الشكوك كونه أحد الذين يتحدثون باسم الدولة، حتي ضعفت وهانت وتوقف الحديث عنها تماماً بعدما خرج الدكتور السيد البدوي رئيس “حزب الوفد” أحد أحزاب هذه القائمة واتهم الأجهزة الأمنية   بالتأثير علي تشكيلها، وهو التصريح الذي أتي عليها كثيراً، غير أن هذا الاجتماع لقائمة إبراهيم زهران “تحيا مصر” المناوئة لأحزاب رجال الأعمال شهد مفاجأة من العيار الثقيل عندما أعلن القيادي في حزب التحرير وأمينه العام في محافظة قنا “محمود عبد المريد” بأن الكاتب والإعلامي “مصطفي بكري” قال في حفل إفطار  أقامه بمحافظة قنا ودعا إليه القيادات الشعبية بالمحافظة :” أن قائمة (في حب مصر) ما تزال موجودة، وأن الرئيس السيسي شخصياً يقف وراءها ويدعمها” وهو تصريح من “عبد المريد” عن “مصطفي بكري” أصاب المجتمعين بالصدمة والهياج حتي أن “رجب هلال حميدة” الحاضر في هذا الاجتماع طلب من عبد المريد تسجيلاً لهذا الكلام ليتقدم به في بلاغ إلي اللجنة العليا للانتخابات.

 

سيظل هذا اللغط دائراً بين الأحزاب، وستظل المناقشات والصراعات داخل هذه الائتلافات وبينها وبين غيرها مستمرة، بينما حزب النور المرفوض منهم جميعاً يعمل علي الأرض بهدوء، لنكتشف في النهاية أن الصراع في الانتخابات القادمة سيكون طائفياً بامتياز بين حزب النور بخلفيته الدينية المعروفة، وبين أي ائتلاف لأحزاب رجال الأعمال سيكون من بينه حزب “المصريين الأحرار” الذي سيتحول دون رغبة منه إلي حزب  الإخوة الأقباط، وبالتبعية سنجد أننا استيقظنا علي حالة طائفية في الانتخابات يؤججها ويؤسس لها تصريحات من عينة تصريح الإعلامي “مصطفي بكري” الذي يقول بأن قائمة “في حب مصر” مدعومة من الدولة، ليبقي الناخب المصري محشوراً في صراع طائفي فقط لأنه لم يجد القائمة أو الائتلاف الذي يجسد استقلالاً حقيقياً يرعي مصالحه أمام تغول الدولة، خاصة وإن ائتلافاُ فقيراً مثل ائتلاف “تحيا مصر” بهيئته الحالية لا يمكن أن يصمد في ظل ظروفه المالية أمام أحزاب رجال الأعمال القادرة بأموالها علي مواجهة حزب النور علي الأرض.

 

المشهد الانتخابي القادم في مصر، ما زال مرتبكاً، ومؤسسات الدولة ستظل في حاجة ملحة إلي برلمان يليق بمصر، يعضد  فيها مفهوم دولة المؤسسات لا أن يهبط بها إلي طائفية بغيضة، ولن يكون ذلك كذلك إلا إذا خرس هؤلاء الذين يدعون وصلاً بالرئيس ويتحدثون باسمه ليل نهار، فلربما قائمة “في حب مصر” أو قائمة “تحيا مصر” تكون جديرة فعلاً بالمنافسة، فلا يجب إضعافها بتصريحات تصب في الغالب في صالح صراعات طائفية.

*كاتب وصحفي مصري

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة