مقالات

ثورة السجون المصرية

إن الإنسان لن يعجزه سجنه في الثورة على الظالم، لست أدعو بذلك إلى تكرار التجربة، أو استنساخها، بل هي دعوة إلى من خارج السجون إلى إعمال فكره وعقله، وكل طاقته، في تفعيل ثورة السجون..يتبع

عصام تليمة*
هناك صفحة من صفحات الثورات يجهلها الكثيرون منا، وهي أول ثورة سجون في الشرق الأوسط في العصر الحديث، كانت هذه الثورة في أحد السجون المصرية، وتحديدا في أواخر عام 1959م، يروي تفاصيل هذه الثورة الأستاذ الكبير الراحل مصطفى أمين في كتابه (سنة أولى سجن) ص: 35-38، في أربع صفحات كاملة من كتابه، روى تفاصيلها، وهي جديرة بالقراءة والتأمل، وكيف أن البحث عن مسارات حتى للسجين أمر مطلوب ومُلح سواء من داخل السجون أو خارجها.
ملخص القصة: أن جبروت السجانين زاد بشكل بشع على المسجونين، وزاد الإذلال، فقد كان مطلوبا من كل مسجون عند تناوله الطعام أن يجلس القرفصاء، بطريقة مذلة، فتعب أحدهم بعد عودتهم من الجبل وتكسير الحجارة، وحملها على ظهورهم، فاضطر للجلوس مستريحا، فنهره أحد السجانين وسبه وضربه بحذائه، وكانت المصيبة أن تكلم المسجون فقال: إنه مريض ولا يستطيع الجلوس حسب تعليماتهم، وكان السجانون يجدون لذة ومتعة في إذلال المعتقلين والمسجونين، فانهال السجان على المسجون، فثار بقية المساجين يزومون اعتراضا، وإذا بالسجانين ينكرون عليهم أن يكون لهم كرامة، فيعترضون ولو بالهمس، فانهالوا عليهم ضربا، وفجأة اختطف المسجونون الكرابيج من يد الجلادين، وانهالوا بها ضربا عليهم، ليذيقوهم لأول مرة هذه السياط تنهش من أجسادهم ولو لمرة، وهم يذوقون هذا العذاب يوميا منهم، وتحول السجن فجأة إلى ساحة تحول فيها المسجونون إلى ثائرين، لا يرد ثورتهم أحد، فاختطفوا حراس عنبرهم الكبير، وأسروهم كرهائن، وانقسموا أقساما منهم من يضع المتاريس خلف الأبواب، ومنهم من يحرس سطح السجن.
حضر رئيس أركان حرب السجن، لتهدئتهم عن طريق مكبرات الصوت، دون فائدة، فأمطروه بوابل من الحجارة سقطت عليه وعلى كل القوات التي جاءت، وكان حمزة البسيوني (ملك التعذيب) وقتها في الإسكندرية، فأطلقت القوات المحيطة بالسجن الرصاص من باب التهويش فأصابت أحد المسجونين فمات في الحال، فأمطر المسجونين القوات بالحجارة، هذه القوات الحربية التي لم تكسب معركة ضد عدوها، استأسدت فقط على مسجونين عزل، وهدد المسجونون بأن أي محاولة لإطلاق الرصاص سيكون ثمنه حياة كل رجال السجن الأسرى في أيديهم، وهو ما جعل القوات تكف عن أي تلويح لاستخدام القوة، وبداية التفاوض معهم، وجاء حمزة البسيوني في الصباح ليصدم بما حدث، وكيف حدث؟! فتعالى الهتاف ضد الطاغية، وسقوط السفاح، وفجأة تحول الأسد الهصور إلى فأر، يتوسل إلى الثوار أن يهدأوا ويستسلموا، ولهم كل ما يريدون، ولن يعاقب أحدا منهم لأنهم استولوا على السجن، وحولوا السجانين إلى أسرى مسجونين.
رفض ثوار السجن طلبه، إلا أن يحضر لهم شخصيا عبد الحكيم عامر، ويكون التفاوض معه شخصيا، واستمروا ثلاثة أيام يحكمون السجن، ولا يجد السفاح حيلة إلا الصمت والرضوخ لطلبهم، فحضر الفريق أول علي عامر، وكان رئيسا لأركان حرب الجيش وقتئذ، وأخبرهم أن المشير عبد الحكيم عامر في سوريا، وصعب جدا حضوره الآن، وأنه اتصل به تليفونيا، وكلفه بأن يقابلهم وإجابة كل طلباتهم، كانت طلباتهم: وقف كل ممارسات التعذيب ضدهم، وعدم توقيع أي عقوبة عليهم، وطلبوا سحب أفراد حرس حمزة البسيوني، وإحلالهم بحراس من البوليس الحربي، فتم تنفيذ كل طلباتهم، وإذ بفرقة من البوليس الحربي تدخل مبنى السجن، وتتولاه مكان قوات حمزة البسيوني، وتوزع قطع الشيكولاته، وعلب السجائر المحظورة عليهم داخل السجن، وتوقف الضرب والتعذيب.
واستمر ذلك لمدة أسبوعين اثنين، وفي اليوم الخامس عشر فوجئ المسجونون بانسحاب البوليس الحربي، وعودة حرس حمزة البسيوني، لكن بعد كسر أنفهم، وإذاقتهم ما تذوقه المسجونون من ذل وتعذيب.
هذه القصة، ليست من وحي الخيال، بل هي من قلب الواقع الأليم، وتوحي بمعاني كثيرة، أهمها: أن الإنسان لن يعجزه سجنه في الثورة على الظالم، لست أدعو بذلك إلى تكرار التجربة، أو استنساخها، بل هي دعوة إلى من خارج السجون إلى إعمال فكره وعقله، وكل طاقته، في تفعيل ثورة السجون، ليكون المنطلق منها إلى ثورة ما هو خارج السجون، والعقول المصرية كفيلة بإذن الله بإيجاد حلول ومسارات في هذا المجال.
*من علماء الأزهر

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة