العجز الثقافي العربي المريح

صارت الثقافة العربية ممزقة بين سلفيتين :غربية مصطنعة من نخب اليسار وسلفية مستعادة من شباب يغلب عليه الجهل والاتباع ولا يتلقي أي زاد من الفكر النقدي ..يتبع

د. نور الدين العلوي*
لقد آن الأوان لطرح الأسئلة الموجعة من أين أُكل الربيع العربي؟ ومن غدر بالهبَّة الجماهيرية وأجهضها لصالح المنظمات القديمة؟ من استفرغ المشروع من زخمه وحوله إلى مناحة جديدة في سياق المناحات السلفية العربية اليسارية منها والإسلامية؟ إذ كلما تأخرت هذه الأسئلة كلما تمكنت الرجعيات القديمة من استعادة مواقعها ومن وأد الحريات الكفيلة بمواصلة طرح الأسئلة في العمق الثقافي العربي المغشوش. لقد آن زمن طرح الأسئلة حول العجز الثقافي العربي الذي يسترخي فيه العقل العربي الكسول المرتعد أمام أسئلة النقد الجذري.

يسار المناحات الأبدية

بعد نكبة 1967 انطلق مناحات فنية وأدبية غزيرة تنعى على العرب الكتب القديمة والكلام المثقوب كالأحذية القديمة. وتوجهت إلى الفكر الانقلابي عامة وجماعة البيان رقم واحد خاصة ثم انحرفت نحو الفكر الديني وممثليه خاصة بعد تقارب ظاهر للعيان بين التيارات الإسلامية (الإخوان) والأنظمة النفطية. وظهر كأن النعي موجه لاستدراك ثقافة تقدمية مغدورة بالأحلاف الرجعية. واستمر ذلك ردحا من الزمن حتى تحول إلى مزاح جنائزي عام لم يثمر إلا الخيبة  والتنكيد على كل خطاب يطمح إلى التغيير وبث روح متفائلة بين الناس. فانتهت المشاريع الثقافية والأدبية إلى طلليات مزمنة يكتبها يسار تقدمي ينتمي ظاهريا إلى ثقافة الثورات العالمية ويعمل عمليا على تثبيط العزائم وبث ثقافة الموت. ومع كل هزيمة عسكرية أمام العدو الصهيوني كان هذا الخطاب يستشري ليعوض الهزيمة بمناحة. عقود السبعينات والثمانيات والتسعينات هي عقود رثائية بامتياز يكتبها اليسار وحده ويروج لها بحكم ما تملَّكه من قدرة على النشر والتوزيع.ولها موضوع وحيد البكاء على الثقافة العربية التقدمية أمام الفكر الإسلامي الرجعي العميل. في الإثناء لم يكن الإسلاميون مشغولين بأي إنتاج فني أو أدبي سوى البكاء على أطلال هزائمهم حتى أن كتاب زينب الغزالي عن التعذيب تحوّل إلى كتاب مدرسي لدى الشبيبة الإسلامية في كل الأقطار العربية. لقد ارتاحت الثقافة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين في أحزانها ومآسيها ووجدت يقينها في أن ليس بالإمكان أفضل مما كان وهو جوهر فكر الانحطاط العربي القدري الجامد.
الهوامش على دفتر النكسة لم تكن إلا الفاتحة رغم أن كاتبها كان سفيرا لأحد الأنظمة التي هربت من المعركة وتمتع بملاذه الأندلسي ليبكي أندلسه المفقود فيما حلبه محاصرة.
لم ينتج الأدب والثقافة مناخات حرية وثورة تحرض الناس ولو تتبعنا هذه الفكرة كفرضية بحث لوجدنها في جوهرها رؤية للعالم رجعية كسولة خانعة في آلياتها وتخدم السلطة القمعية بوعي أو بدونه في كل قطر عربي على حدة. ولا تختلف في شي (من حيث النتائج) عن الفكر الرجعي السلفي الديني الصادر عن بلدان النفط المستفيدة الأولى من حالة الإحباط العربي الشامل الذي أمكن لها فيه نشر ثقافة الميوعة والتحلل الذي يصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية للأمة(وللنظر فقط في السينما المصرية بعد دخول النفط على سوقها) وما روتانا إلا  تتويج له.

يسار استفراغ الأحلام

في العقدين الأخيرين كان اليسار العربي يزداد تبعية للمدارس الفلسفية و السوسيولوجية الغربية التي استنفذت قضاياها الجوهرية واختفت من قواميسها مساندة حركات التحرر في العالم وصار فرانز فانون فيها نكرة مجهولا. بينما تقدمت فيها عدمية سارتر وألبرت كامو وإضرابهم فانصرفت إلى فلسفات الجسد والحس المُشَيَّء أمام رأس مال لا يتراجع. فقالت بتحرير الجسد  قبل/ أو في سبيل تحرير الإنسان. وهذه الأطروحة في حقيقتها أطروحة ليبرالية أنتجتها قوانين السوق وأفرزت عامدة تسليع الجسد وتشييئه بدءا بالجسد الأنثوي ثم الذكوري وجرَّت الناس إلى الحِسِّ المطلق مخالفة كل قيم الكون المتفق عليها. لقد وجد اليسار الغربي نفسه يحمي معارك التعري والبرنوغرافيا باعتبارها تجسيدا لحرية الفرد في جسده ووجد اليسار العربي نفسه بالتبعية يستنسخ تلك القضايا ويروج لها ويحولها إلى برامج مدرسية ويؤلف فيها الأطروحات.عازلا نفسه عن قضايا شعبه وأمته. منبتا كليا عن واقع يرى فيه الفقر والجهل والمرض والدكتاتوريات الماحقة للنوع الإنساني رأي العين فيعالجه بالدعوة إلى تحرير جسد المرأة كما لو أن ذلك هو الطرح الأساسي المؤدي إلى تحرير الإنسان العربي. وبقدر ما كان اليسار يوغل في ذلك ويجعله مقدمات لكل عمل سياسي وثقافي وفني كان يدفع فئات محافظة كثيرة إلى الانتماء إلى أطروحة مضادة موغلة في قمع الحريات الفردية ومنادية بالانغلاق على الهوايات الميتة. فصارت الثقافة العربية ممزقة بين سلفيتين غربية مصطنعة من نخب اليسار وسلفية مستعادة من شباب يغلب عليه الجهل والإتباع ولا يتلقي أي زاد من الفكر النقدي الذي يؤهله لمراجعات حقيقية لتراثه بما يؤهله لعيش لحظته التاريخية. لقد استفرغ اليسار العربي خاصة  أحلام مشروع النهضة الأولى من كل مضمونه وحول الفكر والثقافة(وهو المسيطر على الجامعات بما خولته له الأنظمة الغاشمة من استبعاد منافسه الإسلاميين عليها) ما ينتج في الغرب الخاضع بدوره إلى رأس مال يعرف كيف يخفي سقطاته بالفلسفة ويروج للحرية في السوق إلى حواشي وهوامش. لقد صار لمراكز التمويل الغربي (الوقفيات والجوائز والبعثات الدراسية) دور توجيه الثقافة العربية إلى ما يريده الممول الخارجي لا إلى ما تقتضيه الحال العربية. وضاع في الأثناء كل نفس نقدي وكل فني معارض وكل أمل في استئناف البدء العربي على قاعدة النهضة الأولى لنهاية القرن التاسع عشر التي وإن اختلطت بمشروع النهضة الغربي إلا انها لم تستنسخه ولم تخضع له بكليته.

 

فجوة ثقافية مدمرة

 

لقد جاءت انتفاضات الربيع العربي في قلب هذه الفجوة الثقافية المدمرة. فظهر أن الفرقة بين المشاريع أعمق من أن يجسِّرها التحالف السياسي السطحي بين تيارات اليسار العربي وتيارات الإسلام السياسي. (والذي لم يتم أصلا) لذلك تسللت الثورة المضادة في فجوات هذا الخلاف بين من كانوا في ظاهر الأمر ضحايا الديكتاتوريات وليسوا في الجوهر إلا بعض خدمها المتخفين داخل خطاب ثورجي بلا قواعد فكرية ولا جماهير مؤمنة به.
لقد رأينا اليسار العربي يتحالف من أجل إقصاء الإسلام السياسي مع أشد الأنظمة رجعية والتي حاربها طيلة خمسين سنة. ولا يبدو في الأفق أي خطاب مراجع لهذه المواقف والمسارات.ولقد وقعت السلفيتان العربيتان (اليسارية والإسلامية) في محذور كارثي على الثورات (الانتفاضات) هو مواصلة التنافر حول الثقافة الواجبة للمرحلة. من يحكم اليومي ويوجهه ؟ كلّ زعم أنه على حق وألاَّ حق للآخرين. كان الأمر أكثر وضوحا في مصر إذ انحاز اليسار إلى العسكر وشرَّع لانقلابه على الديمقراطية الجنينية. وبدا الأمر كما لو أنه ينجح في تونس لكن الظاهر خداع. فالتوافق الظاهر ليس إلا ترحيلا  للمشكل فالإقصاء كامن في عمق المسار.
بعد أربع سنوات من انطلاق الربيع العربي.يمكن القول أننا عدنا إلى مرحلة صراع غريزي على البقاء بين هذه التيارات.وأن التنافي بينها هو القاعدة. ويجري ذلك لصالح العسكر(مصر وطبقات السماسرة المحليين(تونس) ولذلك فإن الردة السياسية الظاهرة  ليست كل الردة التي نخشى بل إن إجهاض المشروع الثقافي الوطني المراجع لكل السلفيات هو الذي وئد في المهد. لتستمر المناحات على ربيع مجهض وكما في السابق ستنتج الثقافة التابعة مبرراتها بإلقاء اللوم على الآخر (الغربي الصهيوني الرجعي) وسيقول قائل العجزة رب عجز مجز أفضل من مغامرة نقد ذاتي مرير.

* كاتب تونسي

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة