قنوات الشرعية والأعمال الدرامية!

*عصام تليمة

الفن بوجه عام، والدراما بشكل خاص سلاح قوي، وله دور ليس هينا في بناء وعي الشعوب، وتحريكها نحو قضاياها، وعمود قوي في حراك الشعوب ضد الظلم، وتبصيرها بدورها، وتوعيتها بما يدبر لها من الحكم الاستبدادي، فقديما استخدم المصريون في توعية الشعوب: الشعر، والفكاهة، والزجل، والنكتة السياسية، وخيال الظل، لما لذلك من سرعة الوصول إلى المتلقي.
وتاريخ الإسلاميين فيه تجارب فنية قوية، كان لها أثرها في وعي الجماهير بالقضايا السياسية والاجتماعية، فرأينا جماعة الإخوان المسلمين تنشئ فرقا مسرحية لها في معظم شعبها على مستوى الجمهورية، وكان من باكورة أعمالها مسرحية (جميل بثينة)، وهي مسرحية عن الحب العذري، ونتج عن مسرح الإخوان أن أنشأت جمعية الشبان المسلمين فرقة مسرحية، وقدمت عددا من الأعمال الدرامية والتاريخية، ومنها مسرحية (خالد بن الوليد) والذي قام فيها بدور هرقل الطالب صلاح أبو إسماعيل (العالم الأزهري والبرلماني المصري فيما بعد).
فإن الفن له دور يعادل عشرات الخطب، وعشرات البرامج، فقد فكر الفنان الراحل حسين صدقي في الاعتزال، وذهب ليستشير الأستاذ سيد قطب في ذلك، فقال له: ولماذا تعتزل، إنك بفيلم واحد تهدم ثلاثمائة خطبة من خطبي، وعشرات المقالات من مقالاتي، لا تعتزل، ولكن غير وجهتك، وقدم فنا يبني في الأمة ولا يهدم، وبالفعل تم ذلك، وقدم أفلاما تعالج بعض انحرافات المجتمع، وتعالج قضايا اجتماعية مهمة وخطيرة.
وهذا الدور لا تزال قنوات الشرعية، أو القنوات المقاومة للانقلاب، تفتقده بشكل كبير، ولا أدري هل تخشى من فقدان بعض جمهورها الذي ربما يقوده رأيه المتشدد في هذه القضية إلى رفضها تماما، أم لم تفكر بالأساس في المسألة.
لو بحثت هذه القنوات في أرشيف الأفلام السينمائية المصرية ستجد كما هائلا من الأفلام الذي تناول قضية الظلم ومقاومته، فمنها مثلا: فيلم (لاشين) من بطولة حسين رياض، وهو فيلم يحكي قصة نضال للشعب المصري، وكذلك فيلم (المماليك) لعماد حمدي، وعمر الشريف، وهو أيضا يحكي قصة صفحة من صفحات كفاح مصر، وفيلم (الأرض) قصة عبد الرحمن الشرقاوي، وبطولة محمود المليجي، ويحيى شاهين وغيرهم، وهو يحكي قصة كفاح الفلاحين ضد الاستيلاء على أراضيهم، وهو فيلم مشهور ومعروف، وفيلم: (شيء من الخوف) قصة ثروت أباظة، ومشهور فيه مشهد خروج القرية عن بكرة أبيها هاتفة: جواز عتريس من فؤاده باطل. ومن الأفلام الأجنبية فيلم (الثورة الفرنسية)، وهو يحكي كيف نشأت الثورة الفرنسية، وكيف أرادت إجهاضها الثورة المضادة، ثم تغلبت عليها بعودتها، وغيرها من الأفلام، التي تخاطب ضمير هذه الشعوب، وتعزز فيه قيمة الحرية، والبحث عنها، والذود عن حياضها، وهذه الأفلام تخاطب فئة من الناس، فلماذا لا تلجأ مثل هذه القنوات إلى محاولة شراء بث هذه الأفلام على قنواتها، أو البحث عن مواهب فنية صاعدة تقوم بأعمال درامية، فالدراما أسهل في الوصول لقلوب وعقول الناس، وهي وسيلة لا يمانع منها الإسلام بضوابطها، ولا يمانع منها الواقع الذي أصبح الاحتياج إليها ملحا وضروريا.
فإذا كان وعي الشباب المثقف يتكون عن طريق المواقع الشبابية، والأعمال الوثائقية، من خلال تجارب الشعوب الأخرى في النضال السياسي، وكيفية بناء الأمم، وإنهاء الانقلابات العسكرية في بلدانهم، كما رأينا في فيلم الجزيرة مباشر (كيف تسقط انقلابا؟!)، فإن عامة الناس من شعوبنا، وهي شعوب ثقافتها محدودة، ولا يحركها مثل هذه الأفلام العلمية، فإن الدراما ببساطتها، مفتاح مهم، جرب في قضايا كثيرة، فقد ظل المجتمع المصري قديما يقبل بتعدد الزوجات، دون أي حرج في ذلك، ولكن الدراما ظلت تلح في تشويه هذا الأمر المباح بشروطه الشرعية، حتى أصبح لدى المتدينات أنفسهن مرفوضا، ويتساوين فيه في نظرتهن مثل غيرهن، دلالة على هذا الدور الخطير الذي يمكن أن تلعبه الدراما في توعية شعوبنا بمظالم الاستبداد، وخطورته، وعدم التسليم له، ومقاومته ولو على الأقل بكسر حاجز الخوف منه.
هذا مطلب لعل هذه القنوات أن تفكر فيه جديا، إذا أرادت أن تربح شريحة مهمة من الشعب المصري، لو على الأقل كسر حاجز الخوف بداخله، لكان لذلك أثر كبير في إنهاء هذا الانقلاب

______________________

*من علماء الأزهر

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة