“داعش” ومن يحاربونها .. إيد واحدة

إذا اتسع المعني ضاقت العبارة” .. هكذا يقول الصوفية، وفي جملة الدكتور محمد البرادعي النائب السابق لرئيس الجمهورية في مصر والتي نشرها علي صفحته في “فيسبوك” تعليقاً علي التفجيرات الأخيرة ما يدعم هذه المقولة

عبده مغربي* 

 إذا اتسع المعنى  .. ضاقت العبارة” .. هكذا يقول الصوفية، وفي جملة الدكتور محمد البرادعي  النائب السابق لرئيس الجمهورية في مصر والتي نشرها علي صفحته في “فيسبوكتعليقاً علي التفجيرات الأخيرة ما يدعم هذه المقولة حينما صرح بأن : “الكل متواطئ.. بما في ذلك العالم الحر”، فالعبارة علي ضيق كلماتها، تحوي من المعاني ما لا تحتويه دفتا كتاب.

عامٌ  بالتمام والكمال يمر علي تأسيس “داعش، وإعلان أبو بكر البغدادي إنشاء دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام في 29-6-2014 ذلك التنظيم الذي تأسس بشكل رئيسي في العراق وسوريا، ثم تمدد بمناطق في دول أخرى هي جنوب اليمن وليبيا وسيناء والصومال و شمال شرق نيجيريا وباكستان، مع حضور علي استحياء في أوروبا أعلنت عنه عملية مدينة ليون الأخيرة في فرنسا.

وقد احتفل التنظيم  في عيد ميلاده الأول بعمليات عنيفة في ثلاث قاراتالكويت في آسيا، وفرنسا في أوروبا، وتونس ومصر في إفريقيا”، عمليات لم يفصل بينها إلا سويعات قليلة، ليرسل التنظيم بذلك للعالم أجمع رسالته الأكثر دموية منذ نشأته : 27 قتيلاً و222 جريحاً في الكويت نتيجة التفجير الذي استهدف مسجد الإمام الصادق، وقتيل واحد في ليون وسط شرق فرنسا، و38 قتيلاً و39 جريحاً في الهجوم الذي استهدف منتجعاً سياحياً في مدينة سوسة بتونس، وخمسة في سيناء والقاهرة التي شهدت اغتيال نائبها العام في عملية تحمل بصماته وإن لم يعلن مسؤوليته عنها بعد.

رسالة أعلن فيها للعالم أجمع أن شوكته تزداد يوماً بعد يوم، وأنه آخذ في التمدد، وطموحه لا يحده حد، خاصة مع ظهور صور لعملته النقديةالدينار الإسلامي” الذي سكه من الذهب وعليه نقش الكرة الأرضية.

القهر والإذلال
كانت جملة البرادعي عميقة وصادقة في أن الكل متواطئ، بما في ذلك العالم الحر، فقد نشأت “داعشفي العراق بفعل القهر والإذلال والحكم التعسفي السلطوي والظلم الاجتماعي والفساد الإداري، كل ذلك عضّد وجودها حتي اشتدت شوكة التنظيم، وتعاظمت بفعل الدعم الشعبي من بعض الجماعات السنية المهمشة، وبقايا الجيش العراقي الذي فككته الولايات المتحدة بعد غزوها العراق عام 2003، وتمدد التنظيم إلى داخل سوريا مستغلاً حالة الاقتتال التي ألهبت سعيرها دولاً وجماعات وجدت في “داعش” فرصة للتخلص من نظام الأسد الذي لا يلقي قبولاً عندهم.

 لقد استغل تنظيم الدولة خارطة الصراع في المنطقة وفهمها جيداً ولعب عليها في جميع تحركاته.
إيران التي دعّمت نظام الحكم الشيعي في العراق علي حساب أهل السنة متورطة في دعم “داعش، والدول التي نصّبت من نفسها حامي حمي أهل السنة فقدمت  لهم التمويل والسلاح لكي يقاتلوا الأغلبية الحاكمة .. متورطة في دعم “داعش”، وأمريكا التي غزت “العراقودمرت مؤسساتها وتركتها في حالة احتراب داخي .. متورطة في دعم “داعش”، أطراف الصراع الإيراني الخليجي في سوريا  وفي القلب منهم تركيا الذين يدعمون الفصائل المتقاتلة متورطون أيضاَ، وفي سيناء الكل متورطون، فهذه البقعة الغالية من التراب المصري دفعت ثمن الاحتراب بين حماس وإسرائيل من جهة، وبين تنظيم الإخوان والجيش من جهة أخري ما وفر حاضنة جيدة للتنظيم.

أمريكا التي خرجت نادمة من حربها علي العراق لأنها فككت الجيش والمؤسسات هي نفسها التي قادت الحرب التي فعلت نفس الشيء في ليبيا بمشاركة دول الناتو وفي القلب منها فرنسا، ثم تركوها في حرب أهلية، ساعدت تنظيم الدولة في أن يقتطع جزءاً منها لعناصره، وساعد الاحتراب والصراع الداخلي المدعوم من قوي خارجية  التنظيم في تعضيد  قوته وتوسعه، وكانت قمة انتصاراته حينما سيطر على أول قاعدة جوية له في سرت، تنقله ربما قريباً من الاقتتال علي الأرض إلي الاقتتال الجوي.

الغرب ليساً قلقاً
الغرب ليساً قلقاً من “داعش” إلا بالقدر الذي يمس مصالحه، بل علي العكس بات التنظيم يصب في مصالح الغرب، خاصة بعد أن هرولت الدول التي يقاتلها “داعش” في طلب أسلحة ومعدات من الغرب تساعدها في حربها ضد التنظيم الذي أصبح يصب أيضاً في صالح إسرائيل، فهو يقاتل ويشاغل ويضعف جيوش المنطقة التي تعمل لها الدولة العبرية بعضاَ من الحساب، ومن ذلك فإن الإعتقاد الشائع بأن “داعشليست أكثر من أداه غربية لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط من جديد أصبح مدعوماً بكثير من القرائن التي ترسخ حضوره في تحليلات المحللين.

حتي اللحظة فإن الغرب علي استحياء يقاتل التنظيم بلا قتال حقيقي، حتي اللحظة فإن ضحايا التنظيم مسلمون، والدول التي تتضرر منه هي الدول الإسلامية، يقول المحللون الغربيون إنها بضاعتنا رُدّت إلينا، ونحن أولي بها؛ فالتنظيم يقوم بتجنيد مقاتليه من صفوف المسلمين، والمسلمون هم غالبية ضحاياه، ويقولون إن العالم الإسلامي هو المطالب بالتصدي لرفاقه في الدين، هو فقط الذي يستطيع أن يفعل ذلك، ويجب أن يفعل ذلك.

نسي الغرب أو تناسي أن بذرة التشدد قد نمت في رحابه عندما سوّق لها ورعاها بمساعدة حلفائه في المنطقة  فصارت عنواناً للقتل والدمار تحت مسمي “الجهاد”، الذي بدأ ضد عدوهم السوفيتي في أفغانستان، وأن هذه البضاعة التي بدأت “جهادية” ثم تطرفت، في عدة مسميات منالقاعدة” إلى “مجلس شوري المجاهدين” إلى “جبهة النصرة” إلى  “أنصار بيت المقدسإلى “داعش”، وما يستجد من أسماء، هم شركاء في صناعتها وفي تعبئتها، وفي تغلفتها، ونحن وإن كنا نتضرر الآن وحدنا، فإن عملية “ليون” التي أكد مدعي فرنسا العام أنها تطابق عمليات “داعش” لهي خير دليل علي أن البضاعة في طريقها إلي الجميع.
لكل ما سبق صدق الدكتور محمد البرادعي عندما قال” الكل متواطئ .. بما في ذلك العالم الحر

_________________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه