مستقبل المنطقة وخارطة التحالفات المستقبلية

أوروبا الغربية لا يمكنها الخروج من العباءة الأمريكية وستبقى تبعا لسياساتها في المنطقة عدا بعض المواقف القليلة والنادرة التي لا تؤثر في تحالفهما.. يتبع.

جمال عامر*

إذا كان العامل الأول المؤثر في التوازنات والعلاقات الدولية هو  عامل القوة بكل أنواعها اقتصادياً وعسكرياً وعلمياً.
ومن المعلوم أن الدول عادة تميل للتحالف مع الأقوى، ومن هنا نفهم تغير بوصلة العلاقات الأمريكية باتجاه إيران على حساب علاقاتها مع العرب والخليج العربي.
وقبل الخوض في أسباب التغير الجاري في شكل خارطة التحالفات لابد من إلقاء الضوء على واقع حال المنطقة والإقليم المجاور والعالم المحيط بنا واتجاهات تمركز القوة الاستراتيجية والقوى الناعمة.
احتمالات تشكل خارطة التحالفات في المنطقة تقوم على عدة مسارات وعوامل:
أولاً : في ظل التقدم التكنولوجي في أمريكا والغرب والشرق الصناعي متمثلا في الصين واليابان و كوريا وماليزيا ، فإن حجم الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للطاقة آخذ في التراجع  بسبب تزايد  إنتاج مختلف أنواع الطاقة البديلة و المتجددة، وهو بدوره يعمل على  تراجع الاهتمام بمنطقة الخليج بشكل خاص والمنطقة العربية بشكل عام . وبحسب تقارير صحفية وإحصائية فإن أمريكا آخذة في تقليص اعتمادها على النفط السعودي حتى وصل حد 25%  بعدما  وصل حجم اعتمادها على وارداتها من السعودية حد 40% من احتياجاتها النفطية، بحسب تقرير لوكالة رويترز ، وكذلك لابد من الإشارة إلى الفائض الكبير في كميات النفط المعروضة في الأسواق العالمية، وهو ما يؤثر في مكانة دول الخليج العربي ، فلم يعد النفط سلعة يمكن استخدامها كسلاح في ظل الظروف الحالية للسوق العالمية.
ثانياً : سياسة أوباما قائمة على نظرية جديدة عمادها البحث عن حلفاء أقوياء يمكن الاعتماد عليهم بخلاف الأنظمة العربية التي بدت نظما هشة و ضعيفة أمام المتغيرات الاجتماعية والسياسية والتطور الفكري لدى المواطن العربي وهو ما تؤكده وقائع الربيع العربي حيث إن النظم القادمة هي نظم أكثر عقائدية وثورية وتنظر بعين أكثر عدائية تجاه الغرب وأمريكا بسبب مواقفهم القديمة الجديدة تجاه القضايا الحساسة التي يعايشها المواطن العربي، وعلى رأسها قضية فلسطين والتي تعتبر قضية الأمة، بينما الوضع في إيران مختلف عن نظرائه العرب. فالنظام الإيراني يبدو أكثر استقراراً ويظهر مستوى عاليا من البراغماتية للتفاهم مع الغرب وحتى لو حدث أي تغير في النظام السياسي القائم هناك فسيكون لصالح الغرب وباتجاه أمريكا وليس باتجاه الهوية الإسلامية الأصيلة.         
ثالثاً: بناء على نظرية التحالف الشيعي الصليبي المحتمل وأصحاب هذه المقولة أو النظرية يبنون نظريتهم  على مبدأ الخشية الأساسية من العالم السني والمجموعات الجهادية المنبثقة منه، وهدف أمريكا والغرب من هذا التحالف هو ضرب إيران الشيعية بالعرب و السنة وهو ما ينتج عنه  إضعاف العالم الإسلامي السني والشيعي على حد سواء، بينما  رغبة إيران هي الهيمنة على المنطقة في ظل انكماش القوة العربية  لتكون إيران الطرف والصديق القوي الأمين لدى الغرب وهو ما يبشر  بعودة لدور إيران لتكون شرطي الخليج لكن في هذه المرة  استبدل تاج الشاه ليحل مكانه شرطي بعمامة سوداء.
رابعاً: التغير الجوهري في السياسة الدفاعية الخارجية لأمريكا فقد أدركت واشنطن أن المنطقة العربية تعاني اضطرابات كبيرة ومقبلة على حروب متوقعة يمكن أن تؤدي لتورطها بشكل يكون مكلفا هي في غنى عنه في ظل حالة الركود النسبية للاقتصاد الأمريكي، ولذلك فإن أبرز الخطوط الرئيسية لسياسة أوباما هي الانسحاب من أغلب النقاط الساخنة مثل العراق و أفغانستان وعند رغبته بعمل عسكري ما تجده جعل دول المنطقة هي التي تتحمل الجزء الأكبر من تكاليف أي جهد عسكري واقع أو محتمل.
خامساً : الدور الروسي وهو دور و إن كان مؤثرا و ناشطا في الوقت الحالي إلا أنه بدأ يأخذ دورا أكثر عدائية للعرب والمسلمين السنة  لأنه يدخل في الحلف المستقبلي المحتمل ضد المسلمين السنة وتاريخيا كان على صراع مع الدولة العثمانية، وهو يعلن الحرب على الجماعات الإسلامية السنية وفي ذاكرته الانتقام منهم بسبب هزيمة الاتحاد السوفيتي سابقا في أفغانستان .
سادساً : أوروبا الغربية لا يمكنها الخروج من العباءة الأمريكية وستبقى تبعا لسياساتها في المنطقة عدا بعض المواقف القليلة والنادرة ولا تؤثر في تحالفها الأمريكي والضروري في مواجهة تهديد الدب الروسي الذي يملك ترسانة ضخمة من الأسلحة الكلاسيكية والاستراتيجية، وهي عقيدة أصبحت راسخة في أذهان الأوروبيين حتى قبل الحرب العالمية الثانية.
 والسؤال المطلوب الإجابة عليه: ما هو المطلوب فعله عربيا؟ وما هي احتمالات نجاحه ؟
أولاً : المطلوب من هو التفاف العرب والسنة حول أنفسهم  لتشكيل حائط صد أمام التمدد، و لو أن العرب حزموا أمرهم و أظهروا عزمهم القوي لمواجهة التغول الإيراني لوجدناها تتراجع مرغمة و ذلك لأن إيران غارقة في حروب عديدة في مختلف المناطق و لن تكون مستعدة لخوض مواجهة شاملة و قوية مع العرب والمسلمين السنة حتى لو اقتصرت المواجهة مع دول الخليج العربي ودول قليلة  أخرى.
ثانياً :  لابد لدول المنطقة أن تقوم هي بتقليص اعتمادها على المظلة الدفاعية الأمريكية و لدينا خيارات أخرى يمكن استثمارها مثل التوجه شرقا نحو الصين، فهي القوة الصاعدة الوحيدة المنافسة وذلك عائد لحجم اقتصادها وناتجها المحلي الضخم والذي تقدم على الناتج المحلي الأمريكي، أضف لذلك حجم مخزوناتها من العملة الصعبة والتي تجاوزت العشرة  تريليون دولار  لأجل ذلك هي المرشحة الوحيدة  لوضع حد للسطوة الأمريكية على المنطقة و ذلك من خلال زيادة التبادل التجاري.

_____________________

*كاتب فلسطيني 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة