في عصر الأخونة

زاد الأمر على نحو وصلت المبالغة فيه إلى حد السخرية، تنقطع الكهرباء لأن هناك موظفين في قطاع الكهرباء من الإخوان. لم يقتصر الأمر هنا على القوة الخارقة للإخوان داخلياً فهم هناك في ألمانيا يدفعون لوسائل الاعلام لتقف مع الإخوان ضد مصر.

أحمد قناوي*
في حلقة كنت فيها ضيفاً على برنامج “العاشرة مساء” سألني مقدم البرنامج “وائل الابراشي” بعد قبولي انتداب نقابة المحامين للدفاع عن الدكتور محمد مرسي في قضية التخابر هل أنت (إخوانى) ؟ بادرتة على الفور هل عندما دافعت عنك في مواجهة بطرس غالي كنت( إبراشي)؟.

 السؤال جاء في سياق إعادة تقسيم الشعب المصري إخوان ووطنيين، ولا وجود لتيارات أخري، فكونك ليبرالياً مع حرية التعبير وضد القمع فأنت إخوان حتى لو كنت تعتبر أن العلمانية هى الحل، وأن فصل الدين عن السياسة ضرورة وشرط تقدم.

أنت ناصري لكنك تري أن تجربة عبد الناصر لعصرها وزمانها وأنها غير صالحة للاستنساخ، وأن من حق الجميع المشاركة والبناء فأنت إخوان، فكل الفوارق بين القوي المختلفة اختفت وأنت إخوان إذا كنت مختلف.

حتى زاد الأمر على نحو وصلت المبالغة فيه إلى حد السخرية، تنقطع الكهرباء لأن هناك موظفين في قطاع الكهرباء من الإخوان! تغرق سفينة محملة بالفوسفات في مياه النيل ينسي الجميع الكارثة، والإجابة مؤامرة إخوانية، غش الطلاب في الجامعات والمدارس مؤامرة إخوانية، حتى توزيع الترامادول وانتشار المخدرات بسبب الإخوان لأن لديهم خطة للقضاء على الشباب، وبات الرد واضحاً حين تختلف وحين تحدث كارثة، فالمتهم حاضر دوما، حتى أن مواقع التواصل الاجتماعي سخرت من كل ذلك حين هبت عاصفة ترابية على مصر فقيل أن سببها الإخوان.

لم يقتصر الأمر هنا على القوة الخارقة للإخوان داخلياً فهم هناك في ألمانيا يدفعون لوسائل الإعلام لتقف مع الإخوان ضد مصر، حتى البيت الابيض دخله الإخوان من خلال شقيق أوباما الذي انضم للإخوان، وبات عينهم واذنهم على الرئيس ، وهم ايضا هناك في جنوب افريقيا  وفي كل مكان ، حتى تتخيل أن هذا التنظيم  يحكم العالم.

 كان الإخوان في عصر مبارك يسعون في بعض الأحيان إلى تضخيم قوتهم في الشارع بأكثر من حقيقتها، وذلك بدافع الايحاء بالقوة ولم يكن هذا حقيقياً على الإطلاق، وبعد 3-7 بات من يفعل ذلك ويمنحهم كل هذه القوة المجانية هو النظام ذاته، ولم يفكر أحد في طرح الأمر للمنطق، لأن الهدف دائماً كان إعدام المنطق في ساحات السياسية كما أعدم في ساحات العلم، الهدف تضخيم خطر الإخوان، ومنحهم قوة كبيرة بأكثر كثيراً من حجمها سواء في الداخل أو الخارج، لا جدال أنه تنظيم كبير لكنه لم يصل إلى نسبة 1% من تلك القوة التى يظهرها النظام، وبعد أن تراجعت شعبية الإخوان لأدني مستوياتها في 30-6 ألقى إليهم النظام هدايا على تنويعات مختلفة حتى بات التنظيم يعود ليحصد جزءاً مما فقدة بعد هذا اليوم.

لم يحاول أحد أن يعيد قراءاة شعبية الإخوان، وهم على مقعد السلطة، فمثلاً أجريت انتخابات النقابات الفرعية للمحامين بعد نجاح الدكتور محمد مرسي بأشهر قليلة فإذا بالمحامين تقريباً، وفي سابقة لم تحدث يبعدوا الإخوان عن مجالس النقابات الفرعية، حتى أن صبحي صالح مثلا،ً وهو القيادة التى كانت حاضرة بقوة في مقدمة صفوف الإخوان لم ينجح في النقابة الفرعية في الإسكندرية ومعة معظم قائمة الإخوان.

 ذات الأمر حدث بنسب متفاوتة في نقابة الأطباء وعلى نحو أوضح في نقابة المهندسين، ولم يحققوا مستوى الجامعات ذات النسب من المقاعد التى كانوا يحصلون عليها في ظل حكم السادات، أو حتى مبارك اذا إجريت انتخابات طلابية شفافة وعادلة، حتى في انتخابات مجلس الشعب التي فاز فيها الإخوان بالأغلبية في لحظة الصعود الاقوي لم يحصلوا على الأغلبية المطلقة، وحقق فيها مجرد مرشحين من الشباب فوزاً ساحقاً على قيادات تلقت دعم الإخوان وكل التيارات الدينية مجتمعة، مثل د.عمرو حمزاوى في دائرة مصر الجديدة كما منى مرشح آخر حاز على دعم الإخوان والسلفيين معاً بهزيمة ساحقة أمام أحد شباب الثورة في مدينة نصر، وغير ذلك الكثير. وفي انتخابات الرئاسة فاز الدكتور محمد مرسي بنسبة 51% تقريباً ، فجأة بعد 30-6 أصبح كل شىء إخوان، وباتت قوتهم تصل إلى ألمانيا وجنوب أفريقيا والبيت الابيض.

هذا التصور الساذج الذي يغذيه ويدفع إليه النظام يضيف للإخوان ولا يخصم منهم، وفي ذات الوقت يتناسى أصحاب هذا التصور قطاعات هامة جداً وفاعلة ونشطة، تلك القطاعات التى خرجت في حالة خداع لم تحدث من قبل في 30 يونيو، وكان أغلبها من جيل الشباب الذى خرج في ثورة يناير؛ لكنه هو ذاته الذى اختفي في انتخابات السيسي–حمدين، وكان قبلها قد قاطع الاستفتاء على دستور 2014، هذه القوة النشطة هى الغائبة عن الساحة فما تطرحه السلطة يجسد لها مبارك في أسوأ التجليات وما يطرحة الإخوان يجسد لها أيضاً تجليات جماعة، ورغبة جماعة في حين أن هذا الجيل الواسع لايعرف إلا القضية الكبري، وهى الحرية فبات واقفاً غير قادر على الانضام لمعكسر مبارك الذى خرج عليه أو معسكر مرسي الذي خرج أيضاً عليه، لكنه يتهم في كل حوار أنه إخوان، وأنه طوال الأعوام الماضية مجرد خلية نائمة حان وقت يقظتها، ويتهم في كل حوار أنه جزء من المؤامرة بعد أن كان مجرد صاحب أجندة، وهو الاتهام الذي كان يتم إطلاقه على ثوار يناير، حتى الأصوات التى كانت مؤيدة إلى أبعد مدي للسيسي، ثم عادت بعد أن تكشفت حقيقة الأوضاع القمعية، وإعادة إنتاج نظام مبارك في أسوأ طبعاته وتبدي قدراً كبيراً  من المعارضة كانت الأخونة سلاح مواجهتها.

______________________

*كاتب مصري ومحام بالنقض
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة