من نظام السيسي إلي أحمد شفيق ..”خلصنا”

إذا رجعنا إلي بقية تصريح الفريق شفيق لـ “صحيفة البوابة” تعليقاً علي ما نشرته “صحيفة الشروق” في وقت سابق، وقبل حواره التليفزيوني “الممنوع” أو “المؤجل” نجد الفريق يقدم للنظام الحاكم في مصر أجندته.

عبده مغربي
 

ما زال الفريق أحمد شفيق المرشح الرئاسي السابق عنواناً لحالة الجدل الدائرة الأن في مصر،  فالرجل الذي يقيم  في منفاه بالعاصمة الإماراتية “أبوظبي” أجري حواراً هذا الأسبوع لبرنامج “الصندوق الأسود” مع الإعلامي “عبدالرحيم علي” المقرب كثيراً من شفيق، وكان مقرراً إذاعته في حلقتين متتاليتين، حسب “البرومو” الذي أذاع فيه “عبد الرحيم” مقتطفات من الحوار، كان أهمها تلك الفقرة التي يقول فيها أحمد شفيق:” إنه يعرف كثيرًا عن أجهزة الأمن، وكل واحد يتلم وخلينى ملموم وساكت، ومحدش يجرؤ يقولى مترشحش لمجلس الشعب”،  وهي عبارات تكشف الكثير من مفردات الصراع الغامض  بين الرجل والنظام الحاكم الآن في مصر. وحول تأخر عودته رد قائلا:” المقاتل ميسبش رقبته لأعدائه عشان يطيروها”. لكن وعلي غير المتوقع  أزال “عبد الرحيم”  “برومو الحلقة” من علي صفحته في موقع التواصل الإجتماعي “فيس بوك”، ولم يذع  “عبد الرحيم” الحلقات في الموعد المحدد  لها حسبما أفاد  بذلك قبلها، الأمر الذي طغي معه علي السطح هذه الصراع المكتوم بين “شفيق” والنظام الحاكم في مصر الأن.

الولاء
يمتلك أحمد شفيق علاقات قوية  مع “جهات في الحكم ما تزال تدين له بالولاء” حسب ما وصفته صحيفة “الشروق” في موضوع نشرته الأسبوع الماضي، وقالت فيه أن مصدرأ سياسىاً رفيعاً أبلغها أن دوائر السلطة فى القاهرة أرسلت إلى الفريق أحمد شفيق، المرشح الرئاسى السابق، “رسالة واضحة ونهائية” بأن عليه أن يوقف  النشاطات التى يقوم بها والتى يسعى من خلالها للبقاء على الساحة السياسية فى مصر أو العودة إليها.

وبحسب المصدر نفسه  الذي اعتمدت عليه “الشروق” فإن هذه الرسالة جاءت بعد “رصد تحركات لشفيق، تهدف إلى زعزعة شرعية الرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسى” موضحاً : “أن المرشح الرئاسى السابق يتواصل مع شخصيات فى جهات هامة ما زالت باقية على دعمه ومازالت تأمل فى أن يكون له دور فى الحياة السياسية”.

وأضافت صحيفة “الشروق” نقلاً عن المصدر  الذي استندت إليه :” أن الرسالة شملت أيضا من وصفهم  المصدر بـ”أعوان شفيق” الذين “يظنون أو يتوهمون أن هناك تغييرات سياسية كبيرة يمكن أن تقع فى مصر ويريدون أن يكون الفريق شفيق حاضرا فى الصورة” مضيفا : “أن الرسالة التى نقلت لهم بوضوح أن اجتماعاتهم واتصالاتهم ونشاطاتهم تحت المتابعة، حتى وإن كان بعضهم ما زال يعمل فى جهات مهمة في الدولة، ولو مرسى راجع فإن شاء الله شفيق ممكن يبقى الرئيس”.

وقال المصدر للشروق: ” إنه تم إبلاغ رجال المرشح الرئاسى السابق بهذه الرسالة فى إشارة إلى استحالة عودة شفيق للعب أى دور فى المرحلة المقبلة”.

“الشروق”  أيضاً قالت إن نفس الرسالة تم توجيهها إلى عدد من رجال الأعمال الذين يلتقون شفيق، ورصدت لهم مقابلات مع عدد من رجال الحكم فى الإمارات والسعودية وشخصيات سياسية فى مراكز بحثية تابعة لوزارتى الخارجية والدفاع الأمريكية، بحثا عن “سيناريوهات مختلفة لمستقبل مصر”.

كان يمكن أن يكون ما نشرته الشروق مجرد “كلام جرايد” وهو تعبير شائع في مصر  يصف الموضوعات الصحفية بأنها مجرد كلام لا يستند إلي دليل حقيقي علي الأرض، خاصة بعد تصريح للفريق شفيق لـ”صحيفة البوابة” المقربة منه كثيراً ونفى فيه المرشح الرئاسى السابق، ورئيس حزب “الحركة الوطنية”، تلقيه أي رسائل من النظام الحالي أو من أي جهة تطالبه بعدم النزول إلى مصر، موضحًا أن ما نشر عن ذلك كلام عارٍ من الصحة، ولا أساس له، ويهدف إلى الوقيعة بينه وبين الرئيس عبدالفتاح السيسي.

وأوضح  ” شفيق”في تصريحاته  لـ”البوابة”، أن الهدف من نشر تلك الشائعات، هو إحداث وقيعة أيضًا بين مؤيديه ومؤيدى السيسي، وضرب حزب “الحركة الوطنية”، الذي يرأسه، عن طريق نشر شائعات تتهمه بمحاولة قلب نظام الحكم، بهدف منعه من دخول البرلمان المقبل.

واتهم الفريق شفيق أنصار المرشح الرئاسى السابق حمدين صباحى، بترويج تلك الشائعات، مشيرًا إلى تكليفه للمستشار يحيى قدري، نائب رئيس الحزب ومستشاره القانوني، بالتحرك ورفع دعوى قضائية ضد جريدة “الشروق” لنشرها تلك المعلومات التي وصفها بـ”المغلوطة”، بجانب مطالبته لـنائبه “يحيي قدري” بتقديم طلب للنائب العام، بهدف رفع اسمه من قوائم ترقب الوصول والمنع من السفر.

الخروج الغاضب
كان يمكن أن ينتهي موضوع “الشروق” عند مجرد كونه “كلام جرايد” خاصة بعدما قاله “أحمد شفيق” لصحيفة “البوابة”، لكن خروج شفيق في حوار تلفزيوني مع المذيع “عبد الرحيم علي” غاضباً ممن وصفهم بالأعداء، وتحذيره بـوضوح : ” أعرف كثيرًا عن أجهزة الأمن، وكل واحد يتلم وخلينى ملموم وساكت، ومحدش يجرؤ يقولى مترشحش لمجلس الشعب”، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الصراع بلغ ذروته، خاصة مع تراجع أو تأجيل فضائية “العاصمة” إذاعة حواره مع برنامج “الصندوق الأسود” دون إبداء أسباب لهذا المنع أو التأجيل، وحذف مقدم البرنامج “البرومو” من علي صفحته علي “فيسبوك”.

 كل ما سبق يمكن أن يكون مفهوماً  للجميع بل وقد وصل معناه إلي الجميع، بأن حالة من الصراع المكتوم تدور الآن بين الفريق “أحمد شفيق” وبين النظام الحاكم الآن في مصر، لكننا إذا رجعنا إلي بقية تصريح الفريق شفيق ـ “صحيفة البوابة” تعليقاً علي ما نشرته “صحيفة الشروق” في وقت سابق، وقبل حواره التليفزيوني “الممنوع” أو “المؤجل” نجد الفريق  يقدم للنظام الحاكم في مصر أجندته للحوار معه عندما يقول: ”  أن الرسالة الواضحة أن مصر لها مستقبل واضح تحت قيادة الرئيس المنتخب وأن أى افكار أخرى هى محاولة لزعزعة الاستقرار لتحقيق مصالح قطاعات من رجال الأعمال وبعض الشخصيات الأمنية السابقة وبعض الشخصيات السياسية السابقة”.
 وهو تصريح فيه الكثير من الرسائل للنظام، الأولي بأن الفريق يقر بأن مصر لها مستقبل واضح تحت قيادة الرئيس السيسي، أي أن كل ما أشيع عن طرح نفسه بديلاً للنظام، ينفيه جملة وتفصيلاً بإقراره أن مستقبل مصر في استمرار حكم السيسي، هذه واحدة.

 أما الثانية فإنه يطرح  برنامج عمل في حالة الإتفاق مع نظام الرئيس السيسي، من أنه سيكون البديل الآمن لنظام السيسي سواء في موقع “المعارضة” أو “المولاة” للنظام، وهو بذلك يطرح نفسه أمام النظام الحاكم ليشغل قطعة من “كعكة النظام”  إما بأن يشارك النظام في الحكم، من خلال أن يكون الظهير السياسي للرئيس السيسي، أو أن يكون المعارض الأمين له، ولا ينسي في ذلك أن ينبه إلي خطورة رجال الأعمال وبعض شخصيات النظام السابق في الأجهزة الأمنية، وبعض الشخصيات السياسية المحسوبة علي حكم السيسي والذين يسعون جميعاً إلي السيطرة علي البرلمان القادم، وبالتالي اقتسام السلطة مع الرئيس.

أجندة من المنفى
الغريب في الأمر أن الفريق شفيق يفرض أجندته للحوار  مع نظام السيسي وهو في “المنفي” مستنداً إلي حالته التي كان عليها في الأيام الثلاثة التي سبقت إعلان نتيجة الإنتخابات الرئاسية عام 2012، متناسياً ربما أو معانداً تلك التغييرات  التي تمت علي الأرض في مصر خاصة بعد أن دخلت تحالفات رجال الأعمال الدقائق الأخيرة في عمر مباراة الصراع  السياسي بين الجبهات المختلفة لإقتناص أغلبية مجلس النواب القادم، خاصة هذا التحالف  الأخطر والأكبر الذي  يضم أباطرة  الإعلام والمال والأعمال،  بداية من رجل الأعمال نجيب ساويرس مروراً  برجل الأعمال السيد البدوي ثم أمبراطور السجاد محمد فريد خميس، وأباطرة البترول الثلاثة “أكمل قرطام” و” محمد أنور السادات” و ” صلاح دياب” .

وإذا نظرنا إلي مكونات هذ التحالف نجد أن لديها كل مقومات الصراع والحسم لامتلاكها الأذرع السياسية والإعلامية التي تخوض بها هذا الصراع، فالتحالف في جانبه الإعلامي  يضم قنوات تليفزيون” الحياة” ملك  رئيس حزب الوفد السيد البدوي، وفضائية ” تن”  ملك نجيب ساويرس إلي جوار فضائية “أون تي في ” ووكالة  “أونا” للأنباء، المملوكتين أيضاً لنجيب ساويرس، مع هيمنة شركة الإعلانات “برومو ميديا” التي يشترك في ملكيتها أيضا “نجيب ساويرس” مع رجل الأعمال “إيهاب طلعت”  إضافة إلي هيمنة هذه الشركة، ومن يملكونها علي معظم الصحف والمواقع الإخبارية الكبري في مصر.

وفي الجانب السياسي يضم هذا  التحالف السيد البدوي إمبراطور صناعة الدواء ورئيس حزب “الوفد”  و يضم أيضاً نجيب سايرس مؤسس حزب “المصريين الأحرار”، ويضم أيضاً إمبراطور البترول “أكمل قرطام” رئيس حزب المحافظين عضو تحالف الوفد، وصاحب جريدة “التحرير” اليومية، كما يضم أيضاً إمبراطور صناعة السجاد” فريد خميس” أحد أخطر أركان نظام مبارك الذي انضم مؤخراً إلي حزب الوفد، فضلاً عن رجل الأعمال “محمد أنور السادات” الذي يمتلك محفظة مالية ضخمة لا يٌعرف مصدرها الحقيقي حتى الآن لكنه يٌعرف جيداً علاقته الوثيقة بالأمريكان، وإذا وجدنا من بين بينهم “صلاح دياب” مؤسس وصاحب “جريدة المصري اليوم” نجد أن الخريطة السياسية والإعلامية في مصر مؤممة لصالح هذا التحالف “المدني ” الأكبر والأخطر والأكثر وضوحاً  من بقية التحالفات الورقية الأخري.

هذا التحالف لا يصارعة علي الأرض حقيقة إلا “حزب النور” الديني، بينما شفيق حقيقة في الشارع السياسي لا يمكن قياس حجم رصيده الذي يضعه في موقع المنافسة مع هذه التكتلات خاصة أن أنصاره لا يمكن فصلهم بدقة عن أنصار الرئيس السيسي، وهم في مجملهم أصوات الدولة، التي تنافس بهم دائما في أي صراع محتمل سواء ضد الأحزاب الدينية، أو إذا قررت الدخول بهم في منافسة مع تكتل رجال الأعمال، وبالتالي  فإن شفيق يبدو أنه لا يملك  الوضع الذي يجعله يفرض أجندته للحوار مع النظام إلا إذا قبل منه النظام هذا الحوار، وربما كان قرار تأجيل أو إلغاء بث حواره  رسالة واضحه له بأنه لم يعد يملك من أمره شيئاً، خاصة وأن القناة “العاصمة” و المذيع “عبد الرحيم علي” و”البوابة” الجريدة ، المتهم شفيق بتمويلهم أو التدخل لتمويلهم، لم يتمكنوا حتي من مجرد نقل تفاصيل حواره أو رسائله، وهذا لا يوجد له إلا معني واحد هو أن الرد الذي أرسله  النظام إلي شفيق علي رسائله المتعددة   يمكن تحديده في كلمة واحدة هي : ” فنيتو” أو “خلصنا”

__________________________

*كاتب وصحفي مصري

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه