خيارات الحركة الكردية الصعبة بعد الانتخابات التركية

عبد القادر عبد اللي

لعل أهم الرسائل التي أفرزتها الانتخابات العامة التركية الأخيرة هو أنه بات من المسلّم به وجود حركة سياسية كردية قوية تحظى بدعم من مواطنين في الجمهورية التركية غير أكراد، ويمكن أن يصوتوا لهذه الحركة، هذا بغضّ النظر عن الأسباب والدوافع التي تجعل الناخب غير الكردي (عربي، تركي) أن يدلي بصوته لحزب يُعتبر الممثل الشرعي لهذه الشريحة من الشعب.

لم يكن دخول الحركة الكردية على الحياة السياسية التركية بهذه القوة هو البداية. فمنذ تأسيس الجمهورية التركية، وهذه القضية قائمة وإن كانت تحت مسميات أخرى.

لقد اتخذت الحركات الكردية الأولى في “تركيا” طابعاً دينياً، ولعل هذا ما جعل قيادات الجمهورية التركية تُبرز هذا الجانب، وتتجاهل الجانب القومي فيها من أجل تقديم رسالة مفادها بأن هذه الحركات تمثل الرجعية في مواجهة التقدم، ولا يخفى على أحد أن المقصود بالرجعية هنا هي تلك الحركات، والتقدم هي قيادة الجمهورية التركية التي تسعى لتأسيس دولة “علمانية”… وقد قوّت حركات الإسلام السياسي هذه الرؤية، ولم يعد هناك أي مصدر تقريباً إلا ويشير إلى تلك الحركات باعتبارها حركات إسلامية، ولا أحد يسأل عن سبب انتماء متمرديها جميعاً (أو غالبيتهم المطلقة) بمن فيهم القيادات (مثل سعيد نورسي) إلى القومية الكردية.

ولكن البروز الأكبر للحركة الكردية في الجمهورية التركية كان مع ظهور “حزب العمال الكردستاني”، وقد عاشت المنطقة حرباً دامية استمرت سنوات طويلة بين هذا الحزب والسلطة الرسمية التركية. وبالطبع بالتوازي مع ظهور حزب العمال الكردستاني (PKK) ظهر “حزب الله” وهو يمثل الطرف الآخر من المعادلة، وهو حزب سني كردي، وتطاله اتهامات متنوعة على درجة كبيرة من التناقض. فهناك من يربطه بإيران اعتماداً على اسمه وهروب بعض قياداته إلى هذا البلد، وهناك من يربطه بالمخابرات التركية اعتماداً على بنيته السنية، وقتاله ضد حزب العمال الكردستاني (أو عمليات الاغتيال التي يُتهم بتنفيذها لأعضاء حزب العمال الكردستاني).

لعل رئيس الجمهورية التركية الثامن طورغوت أوزال أول من نظر نظرة مختلفة لهذه القضية. نقول نظرة مختلفة، لأنه على الرغم من انتماء الرجل إلى عصرنا، ولم يمض وقت طويل على وفاته (17/ 4/ 1993)، فهناك كثير من الآراء المتناقضة تماماً حول نظرته إلى القضية الكردية، ويمكن اعتبار كتاب “قطار الرافدين السريع” (مترجم إلى العربية) لمؤلفه جنكيز تشاندار الذي شغل منصب مستشاراً لأوزال هو أحد المصادر الأهم لتلك المرحلة التي يتفق الجميع على أنها طَرحت لأول مرة ومن الجانبين (الكردي والتركي) مسألة إيجاد حل سياسي، ووقف لإطلاق النار.

اعتبر حزب العدالة والتنمية نفسه وريثاً لتيار أوزال، ولعل أهم خصوصيتين ورثهما من أوزال هما إيجاد حل للقضية الكردية وتحقيق انفتاح اقتصادي وديمقراطي أكبر وأكثر تعددية. بالطبع فإن الخلاف الأساسي بين تيار أوزال، وتيار “غول-أردوغان” هو أن الأول قدم الليبرالية على الإسلام السياسي، وجعلها أطغى، ولكن تيار العدالة والتنمية فعل العكس.
القضية الكردية في تركيا ليست قضية ساخنة فحسب، بل قضية حارقة أيضاً. وإذا كان قد أثبت الطب الشرعي بعد سنين طويلة بأن أوزال مات مسموماً، فإن الشكوك كلها تحوم حول أن السبب الرئيس الذي كمن وراء اغتياله هو نظرته المختلفة للقضية الكردية. وعندما بدأ حزب العدالة والتنمية ما أسماها “مرحلة الحل” لاقى معارضة قوية جداً من أنصاره، حتى إنه اضطر في مرحلة ما لتشكيل لجان مصغرة تزور أهالي الضحايا الأتراك، وأسر المتضررين لإقناعهم بالحل.

الحقيقة أن حزب العدالة والتنمية حاول إمساك العصا من المنتصف في القضية الكردية، وهذا ما جعله يجذب غضب أنصاره وغضب الأكراد على حد سواء. فالأكراد يريدون حلولاً ملموسة، ولعل أهمها: “اللامركزية” و”التحول الديمقراطي” الأسرع. والتيار القومي ضمن صفوف حزب العدالة والتنمية يرفض هذا التحول، وإن قبل به فهو يقبل به بطيئاً متدرجاً لإثبات “حسن النوايا”، ولعل هذا السبب الأهم الذي جعل حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة يتعرض لأكبر خسارة في المناطق الكردية تحديداً.
جاء “حزب الشعوب الديمقراطي” الذي حظي بثالث كتلة برلمانية بالتساوي مع حزب الحركة القومية (التركي الطوراني) تطويراً لفكر حزب العمال الكردستاني “PKK”. بعد أن أعلن هذا الحزب تخليه عن الانفصال، وقبوله العمل السياسي ضمن بنية الجمهورية التركية، وحتى إنه ثمة قبول على نطاق واسع بأن حزب الشعوب الديمقراطي هو الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني.
لقد حصد هذا الحزب نقطتين مهمتين من خلال سياسة الانفتاح التي نهجها، الأولى أنه تمكن من جذب الغالبية المطلقة من أصوات الإسلاميين المعتدلين الأكراد الذين كانوا يصوتون للعدالة والتنمية، والثانية أنه استطاع جذب أصوات العلويين غير الأكراد المعارضين بشدة للحكومة بسبب الموقف من القضية السورية. ولعل هذه المرة الأولى أن يصوت فيها العلويون جميعاً (عرباً وأكراداً وأتراكاً) لصالح حزب الشعوب الديمقراطية.
بقي الإسلام السياسي الكردي الأكثر يمينية خارج هذا المشهد. يتمثل هذا التيار بحزب “القضية الحرة” ويُتهم هذا الحزب بأنه استمرار لحزب الله (الكردي) القديم، وحتى إن تسميته المختصرة “HÜDA” “هدى” هي اللفظ التركي لكلمة “خُدِيّ” الكردية التي تعني “الله” أو “الرب”. وثمة حقيقة حاول الإعلام عموماً تجاهلها بأن الأحداث الدامية التي وقعت قبيل الانتخابات كانت عموماً تبدأ بين أنصار هذا الحزب وأنصار حزب الشعوب الديمقراطي. ولكن يبدو أن المصلحة السياسية للأطراف كافة تقضي بعدم إبراز هذا الجانب.
لعل هذا كله يشير إلى أن المصلحة الكردية، تدفع باتجاه التحالف مع حزب العدالة والتنمية، ولكن استمرار التصريحات النارية الشديدة لحزب الشعوب الديمقراطية ضد العدالة والتنمية (وبالطبع فإن الطرف الآخر لا يقصر أيضاً بالتصريحات) تقطع الطريق أمام هذا التحالف الذي يمكن أن ينعكس إيجابياً على تركياً ككل، وليس على حزب معين… ولكن لعل خسارة حزب الشعوب الديمقراطي الناخب العلوي نتيجة مهادنة العدالة والتنمية تجعله يبتعد عن تحالف كهذا

___________________________

*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه