في سوريا الأسد: الحذاء أفضل من الرئيس!

ابتسام تريسي*

 

 

 

الكبار لديهم أمثال فيها خلاصة حكمة السنوات التي عاشوها، والتي عاشتها الأجيال السابقة. وفي الكم الهائل من الحكم والأمثال، والتّجارب الحياتية، على الصعيد السياسي والاجتماعي، نجد التأكيد الدائم على طاعة أولي الأمر، مما يعطي الحاكم السلطة المطلقة، والمقدسة في معظم الأحوال. لأجل ذلك عاشت الشّعوب في الظلّ، تلتمس الأمان في الخضوع، والصمت. متجاهلة الحديث الشريف “أعظم الجهاد، كلمة حق عند سلطان جائر”. 

 

لكنّ الثورات، التي أنهضت الشعوب من كبوتها، جعلت هذا الحديث، الجذوة التي أضاءت الدرب للشباب، فخرجوا إلى الشوارع هاتفين للحريّة. وبالقدر الذي اندفع فيه الشباب بحماس لنيل الحريّة، إستشرس النظام في قمع التظاهرات، وإرهاب الناس.. لكنّ السد انهار، وتحطمت الرموز في مداخل المدن السورية، وسقطت تحت أرجل المتظاهرين.

 

لم يترك حافظ الأسد وسيلة أثناء حكمه؛ ليقنع الشعب ونفسه أولاً، أنّه باقٍ إلى الأبد. فكرة الأبدية شغلت فكره، وأخذت جهداً لترسيخها من خلال الكتب، والمقالات، والصور الضخمة في المؤسسات، والتماثيل في مداخل المدن والساحات. كان الرمز الذي لا يمكن تحطيمه، الرمز الذي يكفي ذكر اسمه ليبث الخوف، والرعب في النفوس.. كان المعلم، والأب، والقائد، والحاكم بأمره.. وحين سقط عن سرجه ميتاً، أصبح إلهاً!

 

وقد ورثه ابنه الأهبل الذي لا يفقه من أمور الحكم شيئاً! لكنّه ورث بطانة أبيه التي كانت قادرة على تغيير الدستور في بضع ساعة ليصبح الحاكم بأمره، كما ثبّتت أركان حكمه بالدعاية، والإيحاء بالتغيير.

 

كانت أقسى مظاهر القمع في بداية الثورة السورية، إجبار الناس على الركوع، والسجود لصورة بشار، والطلب من بعضهم أن يقولوا إنّ بشار ربّهم! بقوة السلاح، وأدوات التعذيب كان الناس ينطقون بما يريده الجلادون، لكنّ ذلك لم يستمر طويلاً.. لقد رفع الناس شعار “الموت ولا المذلة” قولاً وفعلاً. وأوّل ما فعلوه تحطيم التماثيل، ونزع الصور، وتمزّيقها، وداسوها بالأقدام.

 

لقد زالت هيمنة الرمز، ولم يعد يخيف أحداً! ونال بشار مالم ينله رئيس عبر التاريخ كله من السخرية والاستهزاء حتى لم يبق عربي على سطح الأرض لم يضحك على هذا الكركتر.

 

ويبدو أنّ النظام فهم أنّ الهيبة التي كانت لذلك الرمز طيلة أربعة عقود من الحكم العسكري المخابراتي، قد زالت فعلاً، فلم يفكّر بتعليق صور أخرى أو وضع تماثيل بديلة!

 

وانتشرت ظاهرة غريبة بين المؤيدين، فقد نزلت صور كثيرة لهم على مواقع التواصل الاجتماعي يضعون فوق رؤوسهم الحذاء العسكري، وداخله ورد، ويرقصون! لم يكن ذلك غريباً على أناس اعتادوا أن تُداس رؤوسهم بالبسطار العسكري، وأن يساقوا مثل القطيع، ويفعلوا ما يؤمرون به من دون اعتراض.

 

لكنّ المفاجأة الصاعقة أنّ النظام السوري، أزال أكبر تمثال على طريق دمشق خوفاً من تحطيمه.. ثمّ جاءت المفاجأة الأكبر حين دشّن محافظ اللاذقية، بمعية بعض الضباط تمثالاً جديداً في مدخل المحافظة، وكان التمثال للحذاء العسكري “البوط” أو الجزمة! في المكان الذي كان من المفروض أن يتربّع فيه وريث العرش، أو والده الخالد، حلّ الحذاء العسكري بديلاً، وزرع المحافظ فيه نبتة “المكحلة!

 

انتشرت ظاهرة عبادة الحذاء العسكري بدل صور وتماثيل الرئيس الخالد، ويبدو أنّ الأبدية أحيلت إلى الحذاء بدل الرئيس، مما جعله مقدساً، وجعل مذيعة مشهورة مثل كوثر البشراوي، تظهر حديثاً على شاشة التلفزيون، لتعلن وقوفها بجانب الجيش السوري، وتشمّ الحذاء، وتقبّله على الهواء! قبلة الحبيب بعد الغياب! معتبرة أن جنود بشار ومرتزقته يدافعون عن الأمة، متجاهلة توضيح ما تقصده بالأمة ، هل هي أمة المنتفعين من المال الفارسي؟ مثلاً أم هي أمة تجار الفكر والعقيدة؟

 

لقد اعتاد الشعب السوري على تحطيم الكثير من رموزه منذ بداية الثورة حتّى الآن، فخلال السنوات الأربع فوجئ بالكثيرين ممن اعتبرهم قدوة “من الفنانين والكتاب والشعراء” وأكبرهم أدونيس، فوجئ الشعب بأبناء هذه الشريحة النخبوية وهم يقفون ضده، ويحقّرون ثورته، ويعتبرونه همجياً، وإرهابياً، ولا يستحق الحياة!

 

ربّما كان اختيار محافظ اللاذقية لنبتة المكحلة عشوائياً، وربّما لأنّها تقاوم الحرارة، والرطوبة، ولا تحتاج إلى الكثير من الماء! لكن فاته أنّ هذه النبتة ستحطم التمثال، وتفتته بقوة جذورها، فهي تأكل التربة تدريجياً، وحين يضيق المكان بها، ستحطم الجبس الهش، وتخرج جذورها بحثاً عن التراب، سيتحطم هذا الرمز فوق رؤوسهم بقوة الحياة إن لم يسبقها إلى ذلك الثوار. هذا ما فات حافظ الأسد حين حكم بقوة الحذاء العسكري أربعة عقود، لم يدر في خلده يوماً أنه سيخلي موقعه لحذاء . نعم لقد تغلّب عليه الحذاء، وصار رمزاً أقوى منه حضوراً وتأثيراً، ولم يعد حافظ يذكر إلا عندما يتذكر أحدهم أن روح المقبور تشتهي اللعنة

 

 

 

________________

 

 

* روائية سورية

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة