مقالات

وغنّى مارسيل

جاء مارسيل خليفة إلى الكويت بعد منع دام سنوات.. وشاءت المصادفة أن أحضر حفله، في التوقيت الخطأ، والمكان الخطأ! نعم جاء مارسيل.

ابتسام تريسي*

لا يمكننا بحال من الأحوال، في هذا الزمن بالتحديد، فصل الشأن السياسي، عن الإنساني، أو الاجتماعي؛ فقد تداخلت الأمور، وصنعت خليطاً عجيباً من المواقف المذبذبة والمتناقضة.

وجاءت الثورات لتغربل كلّ شيء، وذرّت القش في الفضاء! لكنّ “الزيوان” أثقل من القمح، وما زال عالقاً أسفل الغربال!

أصحاب المواقف الزئبقية، تشبثوا بماضيهم؛ ليدافعوا به عن حاضرهم. وهذا ما فعله كثيرون من الأسماء اللامعة في سماء الفن، مثل زياد الرحباني، الذي انحاز لـ “نصر الله” في حربه ضدّ الشعب السوري، ووجد من يدافع عن ثوريته ومقاومته، ومواقفه الوطنية! والشاهد “أعماله الثورية قبل الثورات العربية”!

لسنوات طويلة عاش جيلي على أحلام القومية العربية، وبنى قصوره من الأوهام، وشكّل رموزه، وصلّى لها.
وكان مصير الكثيرين منا الاعتقال، والبعض لم يخرج أبداً من السجن، لا حياً، ولا ميتاً! كما خرج بعض رفاقنا بعد سنوات شبه أموات، لم يجدوا بعد خروجهم ما يفعلونه سوى اجترار الحلم، والمحافظة على بصماته “الكوفية الفلسطينية، أيقونة خريطة فلسطين، وأشرطة أغاني مارسيل خليفة”، ومنعٌ من حقوقهم المدنية!

كنّا نتبادل أشرطة مظفر النواب بالسرّ، ونهربها داخل ملابسنا، كالحشيش.. وكانت أمسية لمحمود درويش كافية ليترك الكثيرون من رفاقنا الدراسة، ليسافروا إلى لبنان للالتحاق بمنظمة التّحرير!

وكان حضور أحمد فؤاد نجم إلى حلب، في أوائل الثمانينات، كافٍ ليصنع مظاهرة! وكما في كلِّ حروبنا، كانت الأغنية هي المحرّض، الذي يثير الحماس، ويغسل المخ، ويهيئ الشباب نفسياً للانخراط في المقاومة، أو الحرب على الجبهات، أو الثورة.
هكذا فعلت أغاني أم كلثوم وعبد الحليم في حرب 67، وهكذا فعل عبد الناصر بخطاباته العاطفية بنا!

خطب عبد الناصر
كنت صغيرة حين توفي عبد الناصر، لكنّي احتفظت بخطب على أشرطة كاسيت، وبقيت سنوات طويلة أستمع إليها، كما أستمع إلى الأغاني.. هذا قبل أن أصبح في الجامعة، ويظهر رمز آخر للمقاومة “الغنائية” مارسيل خليفة. حينها نسي جيلي الوحدة مع مصر، وصارت من الذكريات، وتحوّل إلى عشق جديد، قاده محمود درويش ببراعة قصائده التي استطاعت من خلال صوت مارسيل خليفة أن تحشد الشباب في سوريا من غير البعثيين، وراء القضية الفلسطينية، وكنّا نحتفل بعودتهم شهداء بالزغاريد! وأشكّ الآن أنّ التوابيت كانت تحتوي أجسادهم!

مارسيل خليفة أصبح ظاهرة ثقافية، قومية، ولم يكن مجرد مغنٍ.. تحوّل مع الوقت إلى رمز للغناء الملتزم، ورمز للقضية الفلسطينية.

أكثر من ثلاثة عقود ومارسيل يغني أشعار محمود درويش، أكثر من ثلاثة عقود تربّع فيها على عرش الغناء “الوطني” الملتزم، وغذّى أرواح جيلنا بالشعر الجميل، الذي لم يكن لنا غنى عنه، فنحن جيل القرّاء، الجيل الذي لم يتربَّ على برامج الفضائيات وأغانيها، وكانت علاقته بأشرطة التسجيل علاقة حميمة، تشبه العلاقة بالحبيبة.
إنّها ثلاثة عقود من الخديعة!

في بدايتها كان حلماً أن نحضر حفلاً لمارسيل، ونغني معه “بين ريتا وعيوني بندقية”.. وتلاشى الحلم بعد عقدين من الزمن لتطحننا الحياة بين طرفي رحاها، فتصبح لقمة الخبز، أهم بكثير من حضور حفلات غنائية، والصلاة لرموز القضية الرئيسة في حياتنا.

لم أعد أسمع أغاني مارسيل منذ زمن طويل، ولم أعد أواكب إنجازاته في مجال الغناء، فقد انتهى عهد المسجلات الصغيرة، وأشرطة الكاسيت، وطاف السطح بآلاف المغنين، ولم يعد الأمر مهماً بالنسبة لي، حتّى جاءت الثورة السورية! أصبح الحلم الذي غنينا له في الثمانينات حقيقة! ووجدنا أنفسنا ننبش وراء تلك الأسماء التي كانت تغذي روحنا، وتلهب عواطفنا، ونتساءل عن موقفها من الثورة السورية!  لم يبقَ سوري مع الثورة لم يتساءل عن موقف مارسيل خليفة “الرمز” من الدم السوري! هو الباقي من سلسلة الأسماء الراحلة “محمود درويش، وناجي العلي، ومحمد الماغوط، وسعد الله ونوس، وغيرهم” الناجي الوحيد من الموت، الذي تعلّقت بأذياله كلُّ آثام الثقافة /الوهم/ التي تربينا عليها!

صورة باهتة
جاء مارسيل خليفة إلى الكويت بعد منع دام سنوات.. وشاءت المصادفة أن أحضر حفله، في التوقيت الخطأ، والمكان الخطأ! نعم جاء مارسيل، وغنّى كما من ثلاثة عقود “بين ريتا وعيوني بندقية” ما زال محتفظاً بنداوة الصوت وحلاوته، لكنّه افتقد ذلك التأثير الذي يخلّفه الإيمان بقضية كبرى، افتقد ذلك الإيقاع الذي كان قادراً على شحن عواطفنا، وتجييش مواقفنا خلف الكلمات المستحيلة.. لم يعد هناك “أحمد الزعتر” ولم يعد محمود درويش.. كلُّ ما تبقى صورة باهتة لمغنٍ يحاول تجديد دمه بفرقة شابة، يعزف فيها الشباب موسيقا صاخبة، تتخلل الأغاني القديمة، وتنوّع عليها.

صاح صوت من الجمهور “بالأخضر كفّناه” ردّ مارسيل “روق يا خيي أمامنا برنامج سنسير عليه”. راق الجمهور، واستجاب لطلب مارسيل بالهدوء، كي يدخل عوالم تهويماته كما نعرفه، ويسلطن، ويغني “أحن إلى خبز أمّي!”

حتّى نهاية الحفل، حين نهض مارسيل ليحيي الجمهور، كنت أنتظر “بالأخضر كفّناه، بالأحمر كفّناه” لكن يبدو أنّ مارسيل صار يخاف الأحمر.. ويخاف الثورات، لكنّه لا يريد أن يخرج من إطارها، لأنّه يعيش على أمجادها المزيفة. ووسط الانتظار طلب مارسيل الصمت بلهجته المتعالية المستفزة، والتي تكررت كثيراً بين أغنية وأخرى، وقال، إنّه سيهدي اللحن الذي سيعزفه إلى شخص يحبّه الكثيرون! هنا استنفرت حواسي كلّها قبل أن ينطق مارسيل بالاسم، وأشعر بالخيبة! لم يتقدم مارسيل خطوة إلى واقعنا، وإلينا كجمهور، بل ما زال يحيط عنقه بالشال الأحمر.. ويهدي لحنه إلى “تشي جيفارا”!

مات أحمد الزعتر.. مات محمود درويش بين الموسيقا الصاخبة التي تضرب الرأس، وتفجّر الدماغ، وصفاء الصوت ورنته البعيدة عن البراري الواسعة، وأزقة صبرا وشاتيلا، ومخيم عين الحلوة، وسنوات الخديعة! .. مات حتى مارسيل نفسه حين رفض أن يخرج من قوقعة خيالاته المستمدة من أساطير الماضي القريب، أساطير المرحلة السوفياتية، التي لا تريد أن ترى ما يحدث في الواقع الراهن.
مات الحلم، وانهارت الرموز دفعة واحدة.. لماذا يزعل الناس حين تتحطم التماثيل؟ ليحطموها، فهي مجرد حجارة، لا تحسّ.

_______________

*روائية سورية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة