نسمات الربيع العربي تُنعش إسبانيا

هي انتخابات بلدية، لا تحظى باهتمام إعلامي خارجي كبير وهذا طبيعي، لكن أهل إسبانيا أدرى بحجمها في هذه الدورة بالذات. وهي بالنسبة لهم.. يتبع.

عبير الفقيه*

عاشت إسبانيا الأحد 24 من مايو/آيار حدثا انتخابياً كاد أن يسفر عن نصر  لصالح أحد الكبيرين: الحزب الشعبي او حزب العمال الاجتماعي. ولكن صناديق الاقتراع أبت إلّا ان تجري بما تشتهي أنفس الغاضبين.
هي انتخابات بلدية، لا تحظى باهتمام إعلامي خارجي كبير و هذا طبيعي، لكن أهل إسبانيا أدرى بحجمها في هذه الدورة بالذات. وهي بالنسبة لهم أولى لبِنات بناء البديل السياسي، بلدية، فبرلمانية، فرئاسية. بعد استياء كبير من سياسة الحزب الحاكم و سابقه (في جانب ما).
هذا الاستياء من السياسات المالية الجائرة من طرف “الحزب الشعبي” الحاكم و تضييقه على المواطنين وتراكم قضايا الفساد المالي، وجد في نسمات الربيع العربي مطِيّة، فاجتمع المستنكرون وتمركزوا بالساحات الرئيسية للمدن وعلى رأسها ساحة الشمس بمدريد وساحة كاتالونيا ببرشلونة في مايو/آيار 2011 (على منوال القصبة والتحرير). و نظّموا الصّفوف بما تيسّر من مطالب و أطلقوا “تحرّك 15 مايو” على كل التراب في تعبير على  وحدة الصّف واجتماع على الأفكار الكبرى. وكان المُلهم آنذاك، حماس التغيير الجذري العربي وإثبات قدرته على هزّ عرش ديكتاتوريات جثمت على القلوب سنوات طويلة في ترجمة واقعية لمضمون كتاب المرحوم ستيفان هيسل “استنكروا”.
وقد عكّر الإقبال الذي حصل على هذا التحرّك من الفئة الشبابية ودعم شخصيات ثقافية وعلمية له، صفو الاطمئنان النسبي الحاصل لدى الحزب الحاكم. فما كان من الاعلام الحكومي إلا أن يحاربه بالشيطنة واتهام الغاضبين بالفوضى و التهوّر… ووصل إلى حد أن شخصية سياسية من الحزب الشعبي اتهمت ناشطة في ساحة كاتالونيا بالفوضوية وتطالبها بأن تنخرط في حزب إذا أرادت التغيير، لأن ما تقوم به هي وأنصارها لا يدخل إلا في باب الفوضى ولا يمتّ للنشاط السياسي بصلة. بطلنا قالها على محطة إعلامية تهكّما وتقليلا من شأن اعتصام الشباب. و لم يحسب أنّ هذه النصيحة ستتجسّد فعلا، وتُثمر نجاحاً بعد أربع سنوات.
هذه الناشطة “أدا كولاو” توّجتها أصوات الغضب رئيسة لبلدية برشلونة، و ما أدراك؟! و أطاحت بِوهم استئثار أحزاب اليسار الاجتماعي المعهودة بهذا المنصب. ناشطتنا ترشّحت على رأس قائمة محلّية، كغيرها من القائمات في باقي محافظات إسبانيا تنضوي كلها تحت إئتلاف بين حزبي “بوديموس” و”ثيوديدانوس” الفتيّين في أوضح إنجاز سياسي استجابة لاعتصامات 2011.
“الزلزال السياسي” كما عبّرت عنه بعض وسائل الإعلام، لم يهزّ فقط برشلونة بل امتدّ لمدن كبرى بدرجات متفاوتة  مروراً بمدريد (معقل “الحزب الشعبي” الفائز الحاسم منذ 24 سنة برئاسة بلدية العاصمة) فقد أسفرت النتائج فيها عن فوز قائمة “مدريد الآن” بالمرتبة الثانية بعد الحزب الشعبي بفارق نقطة واحدة.
 هذا الفوز سيُردي الحزب الشعبي في خانة المعارضة، إذا ما تمّ ائتلاف “مدريد الآن” حليف “بوديموس”  مع بقية الأحزاب اليسارية الفائزة. وهذا وارد جدا باعتبار اجتماعهم على خلاف الحزب الحاكم. و تترجم النسب المتفاوتة في باقي إسبانيا بين المرتبة الاولى و الثانية عموما، اكتساحا غير منتظر، طالما قلّل من شأنه المنافسون متعلّلين بثورجية الأحزاب المتمخّضة عن حركة 15 مايو، وعدم خبرتها وإغراقها في نُصرة المواطنين بأساليب تكاد تكود حالمة. و في الحقيقة، فقد تبيّن أن الثقة المتسارعة التي اكتسبها حزب بوديموس الفتيّ، أقضت مضجع الحزب الشعبي الحاكم، الى درجة حصول استقالات أعضاء مركزيين منه وتلويح برغبات في الائتلاف مع أحزاب أخرى (رغم اتّساع الهوّة في المرجعيات) ضدّ “بوديموس”.
و تجدُر الإشارة الى أن اسم الحزب الثائر “بوديموس” يعني بالعربية ” نستطيع” في صيغة المضارع طبعا، على نغمة شعار أوباما “نعم، نستطيع”.
بعد بشائر النّصر الأولى، خرجت الفائزة برئاسة بلدية برشلونة لتقول “نعم فُزنا” و تُحوّل الفعل الى صيغة ماضي يفتح الشهية للحاضر والمستقبل. لا مبالغة في فرحة الانتصار، فالطموح مشروع و نسقه تصاعديّ. انتخابات بلدية، كخطوة أولى ثابتة، تليها محطّات مستقبلية. وبالتالي، إذا أراد “المستنكرون” اكتساح مواقع القرار السياسي و قيادته، ليس للقدر إلّا أن يستجيب (بشروط غير مجحفة).
نسخة أخرى للتغيير في المشهد السياسي التي عصفت بالعالم، ابتداءً من تونس2011، وما تبِعها. نسخة سلمية كغيرها. يبدو أنها على طريق النّجاحات الأولى. هنيئا لمستنكري إسبانيا 2011.
انتصار يعكس منهجا صائبا إلى حدّ ما في النّضال، ويوحي لمستنكر عربي يتابع المشهد اليوناني والإسباني أن القدر يستجيب أسرع على أرض أوربية.

__________________

*كاتبة تونسية تقيم في أسبانيا

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة