معركة السيسي في ألمانيا

صلاح سليمان*

لأول مرة يحدث في العاصمة الألمانية برلين، أن تتحول زيارة رئيس دولة إلى معركة سياسية يتعارك فيها سياسيون وإعلاميون مصريون وألمان وأفراد من الجالية المصرية المقيمة في ألمانيا، حول زيارة الرئيس المصري المرتقبة إلى هذا البلد .
اندلعت بداية المعركة على خلفية قرار رئيس البوندستاج الألماني “نوربرت لامرت” التي ألغى فيها لقاءً له كان مقرراً مع الرئيس المصري أثناء زيارته القادمة إلى ألمانيا، احتجاجا علي أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وعلي الفور اشتعلت المعركة بين المؤيدين للسيسي والمعارضين له، ففي ألمانيا اشتعلت الحرب الفيسبوكية بين الطرفين ودخل رجال أعمال يدينون بالولاء إلى السيسي في تمويل وحشد أفراد من مختلف المدن الألمانية للتوجه إلي برلين ليكونوا في استقباله، فيما يواصل المعارضون أيضا تنظيم الحشود للاحتجاج علي زيارته.
 المشهد بشكل عام أصبح يشبه الزفة البلدي،  فالمحسوبون علي السيسي يبذلون قصاري جهدهم الآن في نفخ البلالين وتعليق الإعلانات وتوزيع التي شيرتات التي سيرتديها المؤيدون له لإظهار مدي شعبيته في أوساط الجالية المصرية، وفي الجانب المقابل ينشط المعارضون في لم الصفوف والتوجه إلى برلين للاعتصام أمام مقر المستشارية للتنديد بما يجري من انتهاك لأوضاع حقوق الإنسان في مصر وقمع للحريات ومحاولة التأثير في القرار الألماني بعدم دعم السيسي والضغط لوقف تنفيذ أحكام الإعدامات التي أصدرتها المحاكم المصرية .
 يظهر تباين كبير في استراتيجية كلا الطرفين، فبينما يهتم المؤيدون للسيسي بتوجيه رسائل التأييد إلى الداخل المصري، يهتم المعارضون بتوجيه رسائلهم إلى المستشارة الألمانية والإعلام الألماني ، فمن المعروف أن أسلوب الزفة المصرية في التأييد يتم تغطيتها في تليفزيونات رجال الأعمال المؤيدين وتسويقها في الداخل المصري، وهم لا يهتمون بتوجيه رسائل للخارج، علي تفس المنوال يسير الإعلام المصري الحكومي الذي ظهر مدي عجزه وفشله بعد أن أوجعته تصريحات رئيس البرلمان الألماني، فبدل أن يسير في طريق معالجة الموقف ومحاولة الفهم والتحدث بالعقل وإظهار المهنية تضامن مع إعلام رجال الأعمال ودخل في مهاترات عقيمة وحلقات” شرشحه” وردح علي الطريقة المصرية.
 لقد وصف أحد الإعلاميين المصريين “نوربرت لامرت”  رئيس البرلمان الألماني بأنه “جاهل وعبيط “،وآخر وصفه بالنازي، وغير هذه المهاترات والعقم الإعلامي لم ينجح إعلامي مصري واحد في إجراء مقابلة واحدة مع رئيس البرلمان أو أي سياسي ألماني آخر للوقوف علي الرأي الرسمي الألماني من الزيارة، ولماذا صرح لامرت بهذه التصريحات كما لم تستطيع قناة تليفزيونية واحدة أن تحاور صحفيا أو أن تعقد مناظرة حول ما صرح به لامرت.
 أبواق الشتائم من الإعلامين المصريين التي وجهت إلى رئيس البرلمان الألماني لم تحاول علي الأقل قراءة التاريخ الألماني ومحاولة الاستفادة منه لإصلاح الأوضاع في مصر والتعرف علي التجربة الألمانية المعاصرة ، وكيف انتقلت ألمانيا من الأمة” القلقة “بعد الحرب كما كانت توصف إلى الأمة المستقرة المتقدمة ، وكيف تحققت الوحدة والازدهار على ارضها .
إن تجربة الاستقرار في ألمانيا التي يجب أن يعلمها الجميع تحققت بالمصالحة الوطنية علي يد المستشار كونراد اديناور سنة 1949 عندما تأسست ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية،  فقد اهتم  اديناور بإقامة دعائم الدولة الجديدة علي أسس القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان فتحقق الاستقرار، وفي سنة 1951 تم سن قانون يسمح بعودة الموظفين المفصولين بسبب ميولهم النازية  إلى وظائفهم إلا من ارتكب منهم جرائم، وعندما توسعت خطوات الإصلاح وتوحد المجتمع شرع في إجراء إصلاحات تعليمية شاملة مهدت إلى تخريج أجيال تعرف كيف تفكر، وكيف تختار بإرادة حرة، ولا تنساق وراء شعارات قومية زائفة.حتي أن الأحزاب المتعاطفة مع النازية لم يتم تحريم إعادة تشكيلها لأن الناس نضجوا وتطورا وعرفوا حقيقتها ومدي الدمار الذي سببته النازية للبلاد فتجنبوها حتي انتهت سريعا ولم يعد باقيا منها إلى الآن إلا الحزب القومي النازي وهو بالكاد يحصل في كل انتخابات برلمانية علي بضعة مقاعد، ودائما ما يلقي معارضة كبيرة ، ومظاهرات مضادة لأنشطته.
 لهذا السبب نهضت ألمانيا سريعا لأنها اعتمدت علي كل أبناءها، وتعافت وأصبحت الدولة الأهم في أوروبا، أما في  مصر التي ثار شعبها مطالبا بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لم تستطيع الحكومات المتتالية تحقيق مطلب واحد منها، وما زالت مطالب الشعب متعثرة لا تجد من يلبيها له.
 رغم أن مصر تسير في طريق الانشقاق وتقسيم المجتمع إلى مواطن صالح مع النظام، ومواطن فاسد ضد النظام، فإن غياب أي مبادرات للمصالحة الوطنية رفع من مشاعر العداء والعنف والكراهية بين أبناء الوطن الواحد، لقد وصل الانقسام إلى الجالية المصرية في ألمانيا، فهي الأخري أصبحت ضد بعضها البعض، وأصبح الكل عاجز علي لم الصف مرة أخرى وهذا يؤكد الحقيقة التي تقول أن أي انقسام للمجتمع يعتبر أحد مظاهر فشل الحكم لآن الخيار الصعب لأي حاكم يريد الاستقرار لبلاده أن يسمو علي كل الخلافات ويحقق وحده المجتمع ويلم الصف ويحقق الاستقرار .
 ألمانيا التي يهاجم الإعلام المصري برلمانها عرفت بعد الحرب أن الانتهاكات لا تبني دولة مستقرة فخاضت تجربتها الثانية في تحقيق الوحدة التي تمت في 3 أكتوبر من عام 1990 بين الجزء الغربي والشرقي من البلاد، ورغم أن الوحدة شكلت عبئا ثقيلا على الاقتصاد الألماني وكلفها 1.5 ترليون يورو  وأبطأ من نموها الاقتصادي في السنوات التالية،. إلا أنها كانت تعلم أنها علي المدي البعيد ستعود دولة قوية لآنها راهنت علي المواطن الألماني .
فهل تستطيع مصر الاستفادة من تجربة ألمانيا وتراهن علي المواطن المصري من أجل إعادة بناء الوطن

_________________

*كاتب مصري مقيم في ألمانيا

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة