حكاية من سنغافورة

ربما لو تكاسل “لي كوان” وغض الطرف عن تصرفات “أونغ إينغ” بحكم “العيش والملح” لكان النزاع بينهما قد وصل إلى مرحلة تعطّل مسار الحزب بأكمله.. يتبع.

نور الدين عبد الكريم*

أثناء قراءة مذكرات رئيس وزراء سنغافورة السابق، والذي كان عنوان مقال سابق في هذا الموقع، استوقفتني قصة ذكرها “كوان يو” ووجدت أنه من اللازم نقلها وعرضها للقراء ولو بشكل مختصر على الأقل. تدور أحداث هذه القصة حول “أونغ إينغ غوان” أحد أعضاء اللجنة المركزية التنفيذية في “حزب العمل الشعبي” ومسؤول شؤونه المالية، وأحد مؤسسي هذا الحزب الذي أصبح فيما بعد الحزب الحاكم للبلاد.
كانت تجربة “إينغ غوان” مع الحزب منذ بداياته، إذ تم إسناد الشؤون المالية إليه بسبب تخصصه الأكاديمي في التجارة وخبرته في المحاسبة. بالاضافة إلى ذلك فقد كان يتقن لغة “الهوكيان” الصينية والتي يتحدث بها عدد كبير من السنغافوريين ذوي الأصول الصينية، والذين كانوا بحاجة إلى من يمثلهم ويتكلم بلسانهم في الحكومة والمجالس البلدية. وما زاد من شعبية “أونغ إينغ غوان” أيضا كونه خطيبا مفوهاً يتقن فن التأثير واستلهاب مشاعر الجماهير في خطبه ومناظراته، ولهذا كان الشخص الأمثل لأن يرشحه الحزب لمنصب المحافظ في الانتخابات البلدية في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، وهو المنصب الذي فاز به فعلا.
كانت خطب “أونغ” غالبا ما تنتهي بالهتاف الحماسي والتصفيق الحار من الجماهير، وكان له دور كبير في التأثير على الناخبين والنهوض بالحزب وزيادة شعبيته منذ تأسيسه. لكن عوضا عن أن يحفزه هذا الأمر على تقديم المزيد من العمل والسير نحو الأهداف التي من أجلها تم تأسيس الحزب والتحضير للفوز بانتخابات رئاسة الوزراء؛  كان ذلك يُنمّي شيئا من الغرور والابتهاج السلبي في نفسه، فبدأت تظهر عليه أمارات الإعجاب والفخر، وزاد على ذلك فوزه بمنصب المحافظ فبدأت علامات جنون العظمة وأوهام القوة تبدو واضحة لمن يتعامل معه ويأتمر بأمره. وبطبيعة الحال، جاء ذلك على حساب أدائه الوظيفي في إدارة مجلس المدينة كمحافظ، فلم تكن إدارته تلك إدارة حكيمة، بل اتسمت بالصلف والتكبر والاستعلاء على الموظفين، وحُب إصدار الأوامر دون قبول أي نقاش أو مراجعة، مما جعل معظمهم يشعر بالاستياء منه.
لم ينكر “لي كوان يو” على صديقه “أونغ إينغ غوان” بعض الانجازات والإصلاحات التي أحرزها في تلك الفترة، ولكن زلاته كانت أكثر من ذلك، حيث قال عنه إنه “خلق من الصعاب والمشاكل ما يحتاج إلى سنوات لإصلاحه. كان يتيه إعجابا بنفسه، ويتمسك بالسلطة، ويحاول استرضاء الجمهور ليحتل عناوين الصحف”. ووافق أن ظهرت هذه الملاحظات على هذه التغيرات والتصرفات السلبية في فترة استعدادات الحزب للانتخابات الأكبر في تاريخه، وهي فترة تحضير “كوان يو” نفسه – كرئيس للحزب – للفوز برئاسة الحكومة وإدارة البلاد، فلم يشأ أن يعكر سير هذه الاستعدادات بخلافات ونزاعات داخلية قد تظهر للناخبين وتتسبب بشيء من الانشقاقات الداخلية لو أراد أن يحاسبه على أخطائه وتصرفاته تلك، فآثر تأجيل النظر فيها إلى ما بعد تلك المرحلة.
وبعد أن فاز “لي كوان يو” برئاسة الحكومة عام 1959 وأصبح رئيسا للوزراء قام بإعفاء أونغ من منصب المحافظ وأدخله ضمن تشكيلة الحكومة كوزير للتنمية الوطنية. ربما كان يهدف من ذلك متابعته وتوجيهه المباشر للتصحيح من أخطائه وكسبه من جديد كعضو مؤسس فعال.
ولكن الذي حصل هو أن ظهر أول خلاف بينهما حينما رفض “أونغ” أن يكون مكتبه الحكومي ملاصقا لمكتب رئيس الوزراء، أو أن يكون مشاركا له في نفس المبنى، بل فضل أن يختار مكانا بعيدا عنه في أطراف المدينة حباً للتميز والظهور. يعلق “كوان يو” على ذلك قائلا: “وبعد بضعة شهور فقط تأكد لي أن جنون العظمة لديه لاحد له. كان يريد أن يفوق أي شخص آخر في الحكومة، وأن يجعل نفسه في أعين الجمهور”.
ولم يكن أداؤه في الوزارة بأحسن حال منه في المجلس البلدي، فقد كانت قراراته استعراضية، وكان يعطي أوامر في الإنفاق دون الرجوع إلى وزارة المالية أو الحكومة. الأمر الذي أثار ذعر بقية الوزراء خصوصا بعد أن أصبحت تصرفاته تهدد أداء الحكومة أمام الشعب.
وبعد سلسلة من الأخطاء الإدارية قرر “كوان يو” إعفاءه من مهامه كوزير وسحب المنصب منه، وبهذا يكون الخلاف بينهما قد ظهر من السر إلى العلن، أو ضمن أروقة الحزب الحاكم على الأقل، فأصبح أونغ متهوراً في تصرفاته، يحاول الإضرار بلي كوان يو بأي طريقة، حتى لو كان عن طريق التعامل مع الحزب الشيوعي العدو اللدود للحزب الحاكم، فحاول تشكيل تحالف وكسب ولاءات داخل الحزب لمساندته في معركته الانتقامية ضد رئيس الوزراء “لي كوان يو” لكنه كان من دون تأثير يذكر، وكانت دائما محاولات وقرارات هذا التحالف تنتهي بالفشل، فأصيب أونغ بالإحباط خصوصا بعد أفول نجمه وقلة اهتمام الصحافة به، وندرة ورود اسمه فيها كما كان في السابق.
لذلك لجأ إلى لفت الأنظار إليه من جديد عن طريق أساليب جديدة وغريبة غير متوقعة ضمن أدبيات الحزب؛ فبدأ مثلا بدعوة “لي كوان” إلى مناظرة علنية يحضرها أعضاء الحزب لمناقشة مواضيع سيكون الحزب المنافس هو المستفيد من طرحها. ولما فشلت هذه المحاولة لجأ إلى أسلوب آخر يعتمد إثارة الاشاعات وكيل الاتهامات لرئيس الحكومة، فاتهم الحكومة مثلا بأنها دمية يتحكم بها المستعمر البريطاني، وأن نظام حكمها تابع للإمبريالية، واتهم لي كوان باستغلال منصبه الحكومي في توظيف أقاربه في مناصب حكومية. وأمام هذا السيل من التهم، تقرر تشكيل لجنة تحقيق بإشراف وزير العدل للنظر فيها، والتحقق منها.
خلُصت لجنة التحقيق إلى تبرئة رئيس الوزراء من تلك التهم، وأضافت في تقريرها أنه لا صحة للمزاعم التي ذكرها “أونغ إينغ غوان” بل إن “أونغ” رجل غير صادق ولا يمكن الثقة بكلامه. وبناء على هذا التقرير اتخذت الجمعية العمومية للحزب قرارا بفصله منها مع الإبقاء على عضويته في الحزب، ولكنه آثر الاستقالة وإنهاء حياته السياسية مع الحزب الحاكم. 
قد لا تبدو هذه القصة غريبة على دارسي تاريخ الحركات السياسية ونشوئها والمتابعين لتقلبات أعضائها وتغير وجهات نظرهم بشكل عام. فأمثال هذه القصة قد تكون متكررة في مجتمعنا السياسي العربي، ولكن بفارق اختلاف في مسميات أحداثها وأبطال سيناريوهاتها. شاهدنا ولا زلنا نتابع أخبار أعضاء بارزين ومؤسسين في تيارات سياسية انقلبوا على تاريخهم، وناصبوا العداء لهذه التيارات التي ساهموا بشكل فعال في نهوضها وإدارتها.
من الانصاف القول بأنه يحق لكل صاحب رأي أن يتمسك بوجهة نظره ويتبنى رأيه ويدافع عنه، وإن وجد أن الاتجاه العام لهذا التيار أصبح يسير بشكل يتعارض مع ما بدا له ويرفضه، فله كامل الحرية أن يختار الخروج من هذا التيار ويبدأ مشوارا جديدا، أو أن يقرر الاكتفاء بما قدم، أو أن يتنازل عن رأيه تحقيقا للمصلحة العامة.
ولكن الغريب الذي قد تعجز العقول عن فهمه هو ذلك التصرف الذي يفضي بصاحبه إلى نصب العداء لرفاق الدرب والوقوف إلى جانب خصومهم على حساب المبادئ والقيم التي كان ينادي بها في يوم من الأيام، والتي لا تزال قائمة ومتبعة في هذه التيارات.
وقد لا يقف الحد عند بعضهم على مناصبة العداء فقط، بل قد يتجاوزه إلى التبريك والمساهمة في قرارات تتسبب في هلاك أرواح وضياع حريات. فيرى من كانوا في يوم من الايام أقرانا له أو من تربوا ونشأوا على يديه تسيل دماؤهم على يد الخصوم ويزج بهم في السجون دون أن يحرك ساكنا، أمر لا يفهم إلا أنه ناشيء عن تغلب الهوى والمصالح الشخصية على الصالح العام والمبادئ التي تعاهد عليها أصحاب هذا التيار يوما ما.
من الملاحظ أيضا أن هذا الحال لا يقتصر على تيار بعينه أو أتباع دين معين. فصاحب القصة التي ذكرناها هنا بوذي، وخصمه يميل إلى الإلحاد، فربما يقول قائل هؤلاء قوم لا تربطهم دياناتهم بحياة أخروية ولا يعرفون إلا الحياة الدنيوية فبالتالي عقيدتهم مادية تبيح لهم التقلب كيفما أرادوا في سبيل تحقيق غاياتهم، ففيم العجب؟؟!!
سؤال وجيه، ولكن السؤال المقابل بماذا نفهم تصرفات أبناء وأعضاء تيارات إسلامية سلكوا نفس مسلك صاحبنا أونغ وانقلبوا على حركاتهم التي كانوا فيها قياديين ومؤسسين ومربي أجيال؟؟!!
حالهم كحال التي نقضت غزلها ونكثت عهدها، فلا حفظوا تاريخا مشرفا ولا عرفوا طريقاً إلى أمة ظنوا أنها ستكون أربى من أمة قد انقلبوا عليها وانشقوا عنها.
خلاصة القول؛ لا يعلم بما في العقول والنفوس إلا خالقها، ولكن الأمارات والتصرفات قد تبدي شيئا مما يجول فيها، فيلزم أصحاب الشأن التعامل مع أصحابها مباشرة حين ظهورها، إما توجيها وإصلاحاً، وإما حزماً وتأديباً. فلربما لو تكاسل “لي كوان” وغض الطرف عن تصرفات “أونغ إينغ” بحكم الرفقة والصحبة الطيبة ومشاركة “العيش والملح” لكان النزاع بينهما قد وصل إلى مرحلة تعطّل مسار الحزب بأكمله ولربما بقي على حاله ولم يصل إلى وصل إليه اليوم.

____________________

*باحث أردني مقيم في ماليزيا

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة