مقالات

زرع التوحش

يمر الإعلام المصري بمأزق ما قبل السقوط النهائي، فالخطاب الإعلامي في مصر تجاوز مرحلة الشرشحة، إلى مرحلة البلطجة. خطاب أمنى، نخنوخى، إرهابي، لا يؤمن بحق الآخرين في الاختلاف.

محمد حلمي هلال* 

        
يمر الإعلام المصري بمأزق ما قبل السقوط النهائي، فالخطاب الإعلامي في مصر تجاوز مرحلة الشرشحة، إلى مرحلة البلطجة.

خطاب أمنى، نخنوخى، إرهابي، لا يؤمن بحق الآخرين في الاختلاف، ويعتمد السباب والشرشحة سبيلا لإسكات الآخرين، أو ابتزازهم،  ناهيك عن كونه كما كان دائما  خطابا سلطويا تابعا ومغشوشاً ، يحجب المعلومة لصالح الكذب ، ويحجب عفة اللسان لصالح نقص الأدب.

 أغلب الخطاب المعادي لثورة الشعب المصري وأشواقه في التغيير والحياة الكريمة، تقدمه قنوات فضائية وصحف مملوكه لرجال أعمال قامت ضدهم ثورة في 25 يناير، ويحتكرون الإعلام بقصد الهيمنة، فيتحول بأيديهم ، إلى وسيلة إرهابٍ لمن تسوّل له نفسه رفض الخضوع لـ "الخطاب الأوحد".

إن الخطاب الفاسد الغجري "الشرشوحى" جائر بطبيعته وغالباً ما يقود الى أبشع المصائر، جرائد وقنوات فضائية لم يكن لها صوت ولا صورة تفتح فجأة مجارير السفالة، والقذارة، والانحطاط والتدني، المهني والأخلاقي .

قبل أن أنسى اريد أن اسأل السيد مقدم برنامج 25/30 ، بماذا ترد على ابنتك حين تسألك: بابا حبيبى ، يعنى إيه "عنين سياسي" ، ويعنى إيه "استمناء سياسي"، وإيه هو "العهر" يا بابا ؟

مذيعة من ذاك الفصيل قامت منذ فترة قصيرة بإهانة سفيراً إفريقياً على الهواء، وأخرى تسب شعبا عربيا وملكا عربيا في حالة من الانتشاء المؤلم بالذات ، والإعلامي صاحب الحمالات الشهير تسمع منه مصطلحات من عينة : العهر السياسى، الاستمناء السياسي، العنين السياسي، فاهم فاهم  أهلا وسهلا بيك، مش فاهم اشرب من البحر إن شالله ماعن أمك فهمت .. أليست هذه هي "الشرشحة" وزرع التوحش بين الناس؟!.

العقليات البلهاء التي تقود الاعلام في مصر اليوم ، قامت العام الماضي بالتهليل لبلطجي أمريكي متهماً بجرائم جنائية وأخلاقية في بلاده، بحجة الترويج للسياحة في مصر، لم يعرف الذين استضافوه لإنعاش السياحة، أو الذين سارعوا كالبلهاء لإجراء اللقاءات التلفزيونية والصحفية الحصرية معه .. من هو " دون كينيج " !!.

 إذا كنت لا تعرف اقرأ واحدا فقط من عشرات الكتب التي كتبت عن البلطجي الأمريكي، وأرشح لك منها واحدا بعنوان : The Life and Crimes of Don  King  للكاتب الأمريكي JACK NEWFIELD ، إن الوقاحة وانعدام الأخلاق والضمير قد بلغت أحط المستويات .

 بسبب التفسخ والتحلل الطويل، لم تكن السلطة الفعلية فى مصر بيد المؤسسات الدستورية "الحاكمة"، كانت منذ نظام حسنى مبارك، ولا تزال سلطة المحاسيب والورثة والباشوات والأغوات، سلطة المال المنهوب عن طريق السمسرة، والعمولات، والاقتراض، والمنح والمساعدات المالية التي تضع المجتمع دائما على حافة العوز والجوع والاضطراب، أما اليوم فإن سلطة المال المنهوب لا تستطيع العيش إلا في ظل التوحش والقمع، وسفك الدماء، لم يعد هناك قانون يحترم في مصر، ولم يعد هناك عقل، فبات الإعلام "نظاماً" لزرع الوحشية، شبكات مملوكة لأثرياء ظهر بعضهم فجأة، والبعض الاخر تأسست ثرواته المليارية فى عهد الفساد، قبل 25 يناير نخانيخ وبلجية ولواءات التلفزيون، وكتاب (اللامؤاخذة المشكوك في هويتهم الجنسية )، موجة عاتية من السباب والتهجم والبلطجة، والسفالة، والانحطاط .  ماكينات مهولة لضخ الرعب والكلام الخالي من الدلالات أو المعلومات أو الأفكار ، مجرد هراء في لغة ضجيج عصبية متوترة شتامة، تبث رسائل مسكونة بالصراع والتشنج والغضب والترصد والعنف.

ليس من صالح النظام في مصر، أن يروج له البلطجية، أو رجال المال المنهوب أوالنخانيخ واللاخاليخ ، حتى وإن كانوا بالمعاش، فمن غير المعروف مثلا عن السادة اللواءات بالذات، أي اهتمام بالثورات، أو التظاهرات أو الاعتصامات، أو الديموقراطية، أو حقوق الإنسان، وظهورهم الذى لا ينقطع عن شاشات الفضائيات يجعلك تتصور كأنهم  زعماء الثورة المصرية، رغم أنهم يركزون بكل ما يملكون من جعجعة وتلعثم وركاكة وعلو للصوت على إشاعة التشنج والبلطجة وضيق الأفق، والتوحش، ربما لآن هبات الشعب الغاضب أطاحت بمصالح البعض منهم، وربما لآنهم يأملون أن تعود اليهم امتيازات عصر البلطجة من علاقات وارتباطات ( مافياويه ) نسجوها عبر سنوات طويلة من الفساد.

 والمضحك أن الخبير الإستراتيجي التلفزيوني يعتقد أن “الفك المفترس” ، هو فيلم عن أطباء الأسنان ، وأن أي كلام خلاف ذلك هو مؤامرة مسجلة بالصوت والصورة، ويضيف بمنتهى الثقة أن مصر قادرة على دحر تلك المؤامرات الدنيئة.

والحقيقة أن مصر تمتلك ثروة عالمية من خبراء الإستراتيجية، ولا تمتلك أى إستراتيجية في أي موضوع، فالجميع يصرخون ويشتمون ويسبون ويخوضون في الأعراض، فنحن في أشد وأعنف مراحل التاريخ المصري صخباً وضجيجاً وبلاهة وسفالة ، هلفطات وتخرصات وتقولات، برامج للسباب والشتم والقذارة، فقهاء فى القانون والأمن والسياسة والإستراتيجية والحكم، ولا يوجد قانون ولا أمن ولا سياسة ولاإستراتيجية ولا حكم.

إن مساءلة جملة من الوقائع والأحداث والتحولات التاريخية التي تمر بها مصر الآن، لا تحتاج إلى هذا النوع الركيك من الردح، او تلك النوعية المنحطة من الخطاب ( والخطباء )، ولن يكفى بشأنها إغراق الناس في سيناريوهات التخويف من السقوط، واستساغة لعبة "الكلمات" المرسلة عن الخيانات والمؤامرات، ولن يساهم فى تغيير مصر تلك القباحة والتطاول وسفالة العقل واللسان.

نحن في أمس الحاجة الآن إلى العقول المفكرة، ومصر في حاجة إلى بعض التهذيب والأدب والألسنة العفة ، نحتاج أن نرى ونسمع من يشحذ عقولنا نحو التفكير والإبداع والرقى ، نريد أن نرسخ قيم الإصغاء للأخرين بدل الاستماع لأنفسنا . لقد استطاع الإعلام المصري بزبالته نقل "الشرشحة" إلى وسائل التواصل الاجتماعي ، وبات شبابنا ضحية لكل أساليب زرع التوحش والبلطجة .

إن التقاطع بين ما يتطلبه المستقبل من خطابات تستوجب الإخلاص والتجرد من حسابات الأشخاص ومصالحهم وبين حسابات الوطن وأمنه ومصالحة، قد بات مطلبا حتميا، نريد خططا تقود بلادنا نحو النهوض،  نريد أن نجعل الحوار أمراً ممكناً وسهلاً وإنسانيا ، نريد أن نفهم أن اختلاف الآراء والأفكار هو أمر حتمي وليس استمناءً سياسياً ، نريد لمصر طريقا نحو العلم والتقدم، نريد فكراً وفهماً وليس جعجعة – نريد حلولا كما قال ميشيل فوكو – يتعذر صبها في قوالب، الفكر ليس في صياغة الشتائم، واستعداء المجتمع على بعضه ، وليس هو ما يجعلنا نؤمن فقط بما نرضى نحن عنه .

 الفكر ومن ثم ( الإستراتيجية ) ليست فقط في تصنيف الناس إلى أخيار (معنا) وأشرار (ضدنا)  ، وليست في علاج الفك المفترس عند طبيب الأسنان، بل في استشعار الخطر الكامن في أفعالنا نحن، وفى كل ما هو مألوف لنا ، وفي كل ماهو راسخ في عقولنا المستبدة من أفكار عفا عليها الزمن .
 لقد آن الأوان لاسترداد وتمكين المؤسسات الدستورية "الحاكمة"  في مصر ، وآن الأوان أيضا  لكل "ماكينات" البلطجة والفساد والقبح والسفالة، أن تتوقف فحالة تزييف الوعي ، والرقص والطبل والزمر وتعرية المؤخرات لكل حاكم ، أثبتت فشلها .
فحتى الآن لم يتغير أى شيء في مصر على الإطلاق ، باستثناء المزيد من الخراب وزرع التوحش

________________

*كاتب مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة