مقالات

العلمانيّة والــتــــــنّــــورة في فرنسا

“تنّورة بسيطة” لا شية فيها اقتنتها صاحبتها من مغازة فرنسيّة، لكنّها لا تسرّ العلمانيّين الذين في قلوبهم زيغ. فالبنتُ ملتزمة بخلع حجابها قبل الدخول إلى المدرسة امتـــثــالا للقوانين.

عبد الرزاق قيراط*


سيتعذّر على الفتيات الفرنسيّات المسلمات أن “يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ”، لأنهنّ سيُؤذَيْن بسبب ذلك كما حصل مع الطالبة سارّة التي مُنعت من دخول المدرسة بحجّة أنّ التنّورة التي كانت تلبسها طويلة جدّا.

فقد اعتبرت إدارة المدرسة أنّ ذلك الطول يمثّل دليلا على “انتماء دينيّ”، ويتعارض بالتالي مع  “قانون العلمانيّة” الذي يحظر الرموز والملابس الدينيّة كالحجاب والقلنسوة اليهودية والصلبان المسيحية.

 وهكذا، أصبح ذلك التشريع القديم محلّ اجتهاد واستنباط وإفتاء، فأضاف للعلمانيّة الفرنسيّة مفهوما جديدا يتعلّق بطول التنورة. وعلى قدر طولها تتضرّر جلالتها، ويصيب سادنها الهلع، فيتّخذ الإجراءات العاجلة لرأب الصدع، والتنبيه على المسلمات المعنيّات دون غيرهنّ بذلك المعيار والاستنفار.

تنّورة بسيطة لا شية فيها اقتنتها صاحبتها من مغازة فرنسيّة، لكنّها لا تسرّ العلمانيّين الذين في قلوبهم زيغ. فالبنتُ ملتزمة بخلع حجابها قبل الدخول إلى المدرسة امتـــثــالا للقوانين، ومع ذلك، حرمتها الإدارة من الدراسة في مناسبتين خلال شهر واحد بسبب طول التنّورة لا غير. والغريب في ذلك الإجراء أنّه يتجاوز الثوب إلى نيّة صاحبه، فيحاسبه على الظاهر بما في الباطن. فلا شكّ أنّ الفتاة لبست تنّورتها في سبيل الله  مع سابقيّة الإضمار والترصّد!

وبذلك التحامل، أثارت حادثة التنّورة ردود فعل مستهجنة، فارتفعت أصوات معارضة تحذّر من تنامي ظاهرة التضييق على الطالبات المسلمات في المدارس الحكوميّة، حيث سجّل مرصد “مكافحة العنصريّة ومعاداة الإسلام”، تجاوزات شملت مائة فتاة سنة 2014، وحظيت قضيّة سارّة بتغطية إعلاميّة واسعة. وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي حملة تضامنيّة عبّرت عن المعارضة المطلقة لتلك الاجراءات التي من شأنها أن تهدّد تماسك المجتمع الفرنسي، وتشجّع على انتشار التطرّف الدينيّ.  وغرّد آلاف المتعاطفين على تويتر ضمن  وسم “ألبس تنورتي كما أشاء”، بتعليقات ساخرة منها:”سيصبح أكل الكباب قريباً رمزا دينيّا واعتداءً على العلمانيّة”.

ونُشرت بالمناسبة صور نساء شهيرات يرتدين التنانير المحترمة، حيث ظهرت زوجة رئيس الوزراء مانيال فالس تلبس تنورة طويلة سوداء في حفل مهيب بقصر الإليزيه.

أمّا على المستوى الرسميّ، وعلى غير المتوقّع، ساندت وزيرة التعليم نجاة فالو بالقاسم (وهي من أصول مغربيّة) قرار المدرسة واعتبرته “دليلا على الفطنة”. لكنّ الناطق باسم الحزب الاشتراكيّ عارض بقوّة ذلك الصنيع، وقال في تصريح تلفزيونيّ:” إنّه قرار خطير جدّا، فالتنورة ليست رمزا دينيّا، ولذلك فنحن إزاء انحراف واضح عن المبادئ العلمانيّة”.

وفي خطوة تصعيديّة غير مسبوقة، أعلن اليمينيُّ المتطرّف “روبار مينار” على القناة الفرنسيّة الثانية أنّه يقوم بإحصاءات حول ديانة التلاميذ في مدارس مدينة “بيزييه” التي يترأس بلديّتها، مشيرا إلى أنّ نسبة التلاميذ المسلمين تجاوزت الستــين بالمائة. فأثار كعادته كلّما صرّح بأفكاره العنصريّة موجة غضب شديدة في أوساط الطبقة السياسية، وقدّم للمنابر التلفزيونيّة مادّة دسمة لجدل لم يتوقّف إلى اليوم.

وعلى هذا النحو، يستمرّ الحِجاجُ في الأوساط السياسيّة والإعلاميّة بفرنسا، كما جرت العادة في تناول القضايا الشائكة التي تتعلّق بالهويّة والهجرة، حيث يحتدّ التنافس بين الأحزاب الفرنسيّة في التهجّم على مسلمي فرنسا أو الدفاع عنهم، خاصّة عندما تقترب المواعيد الانتخابيّة (البلديّة والنيابيّة والرئاسيّة وحتّى التي تتعلّق بالبرلمان الأوروبيّ). إذْ يرتبط الفوز كما الخسارة  بمدى قدرة المترشّحين على تخويف الفرنسيّين من المسلمين الذين يُتّهمون عادة بالعجز عن الاندماج في نسيج المجتمع الفرنسيّ، وتهديد علمانيّة الدولة وقيمها الحداثيّة.

وفي الماضي القريب أمثلة للتفكّر والاعتبار. فقد ركّز ساركوزي خلال حملته الانتخابيّة السابقة أمام هولاند على الجدل المتّصل بعادات المسلمين وشعائرهم، فزعم أنّ “مسألة اللحم الحلال هي القضيّة الأولى التي تشغل الفرنسيّين”، معتبرا أنّ الانتماء إلى بلد حداثيّ كفرنسا يتناقض مع بعض العادات القديمة في إشارة إلى القواعد الشرعيّة للذبح التي “لا تتلاءم مع شروط الصحّة” حسب رأيه.

وقد أثار ذلك الكلام وقتئذ استنكارا واسعا. وخرج ساركوزي من الإليزيه مهزوما بسبب برنامجه الانتخابيّ الذي أثار قضايا الهجرة والأديان على حساب هموم الناخبين في علاقتها بارتفاع معدّلات البطالة، وتدهور المقدرة الشرائيّة وغير ذلك من  تداعيات الأزمة الاقتصاديّة التي تنتشر في أنحاء القارّة العجوز… وانتصر هولاند لأنه عرف كيف يستغلّ ذلك الجدل لصالحه، فعبّر عن أسفه لتصريحات ساركوزي ودعاه إلى “الكفّ عن مضايقة الناس في قناعاتهم”… ومن غرائب الأقدار أنّهما على موعد قريب في الانتخابات المقبلة حيث سيكون الفوز لمن يوظّف قضايا المسلمين بشكل أكثر إقناعا وأنجع تأثيرا لاستمالة أصوات الناخبين.

ولا يُقصد بالتوظيف، أن يكون بالضرورة متحاملا على المسلمين دائما. فقد يشمل الدفاعَ عن حقوقهم حتّى في أحلك الظروف. وفي هذا السياق، عارض وزير الداخليّة كازنوف الاعتداءات التي استهدفت بعض المساجد ردّا على مذبحة “شارلي إيبدو”، فقال محذّرا: ” لن نسمح بأيّ عمل أو تهديد يطال دور عبادة، كما لن نسمح بأيّ عمل عدوانيّ ضدّ فرنسيّين على خلفيّة أصولهم أو ديانتهم”. وأيّده وزير الخارجيّة لوران فابيوس قائلا “الحرب اليوم هي ضدّ الإرهاب، وليست حرباً ضدّ الدين”.

لكنّ حادثة التنّورة، كذّبت ما قاله الوزيران، وقدّمت حجّة قويّة لصالح الذين يعتقدون أنّ فرنسا أو جزءا منها يخوض حربا حقيقيّة على الإسلام والمسلمين باسم العلمانيّة التي رفعت، بوقاحة وجرأة، تنّورتها وكشفت عورتها القبيحة.

________________

*كاتب تونسي

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة