زيارة إسبانيا وحلم الاستثمارات

في الحقيقة لم أكن لأتطرق الى موضوع زيارة الرئيس المصري الى إسبانيا من جديد، إلّا لكوني أرى الهوّة تتسع يوما بعد يوم في تعاطي الاعلام معها

عبير الفقيه*

 

 

 

في الحقيقة لم أكن لأتطرق الى موضوع زيارة الرئيس المصري الى إسبانيا من جديد، إلا لكوني أرى الهوّة تتسع يوما بعد يوم في تعاطي الاعلام معها، إعلام يصنّف نظرات السيسي للملكة لايتسيا في خانة النجاحات الاستراتيجية، ويسهب في وصف مظهره، وقفته، مشيته… باعتبارها شغلت الأنظار هنا و هناك,  و أن هذه الهيبة كانت مفتاح النجاح لضمان دعم دولة كإسبانيا في مجال الاستثمارات.

 (مع العلم أنّي تقفّيت أثر جماله و فتنته على الصحف الإسبانية فلم أعثر على أثرٍ). و قد أطنب “فرسان القلم” المصري و المتربّعين على الشاشات الموالية في تصوير القدرة على تحويل السيسي لمقترحات المشاريع المنعشة لبلده الى اتفاقيات يقبل عليها المستثمر الأجنبي بكل “حزم”، منذ ان تطأ أقدامه مطار بلد ما و حصول أوّل محادثة في الغرض، و كأنّ المذكور يتمتّع بقدرات خارقة تكاد تُردي بملكات الفرنجة الى أرقام في قائمة  “ما ملكت أيمانه”.

 ليست مبالغة، و لكنها ترجمة لرسالة الاعلام المصري المُحتفي بصورة مصافحة الرئيس لليتسيا ” في كسر للبروتوكول الملكي” من ذلك ما جاء على لسان “خالد ابو بكر” و الصورة ثابتة على هذا المشهد أنّه بين القادة و الزعماء يلعب دور كبير جداً، و هو يعني حرّيف… ده ملعبه، دخّل عليه ايّ حدّ، بعد نصف ساعة يبقى عاملّه غسيل دماغ…” وبناء على هذا تتوضّح رؤية سرّ تهاطل عقود المستثمرين مدراراً على مصر.

كان هذا المشهد المصري، أمّا الإسباني فكان منشغلا بالتناقض الحاصل على مستوى تصنيف الحكومة لهذه الزيارة، فالضّيف تمّ تقديمه على أهمّ الصحف باعتباره انقلابياً، فاز بالحكم على إثر انقلاب على محمّد مرسي أوّل رئيس منتخب شرعياً. و أن هذه الزيارة تغلّفت بأهداف شراكة اقتصادية و لوجستية تشغل بال حكومات الحوض المتوسّط، و لكنها في الحقيقة، زيارة تدخل في باب البحث عن شرعية و تسويق لصفته كرئيس و قبوله كـ” شرّ لابد منه” على منظّمات حقوق الانسان التي تتهمه بجرائم في حق الانسانية وخرق لحرية التعبير.

 وقد تناولت صحيفة الباييس، لافانغوارديا، الباريوديكو …هذا التعريف بالسيسي كمجرّد  سرد لنبذة من تاريخ الرّجل، و لكن المفردات كانت عاكسة بوضوح لعدم غفران جرائمه، فقد اختارت الباييس مثلا عنوان ” الديكتاتور يبحث عن شرعيته في اسبانيا” في نسختها الورقية صباح الخميس و خفّفت من حدّتها على النسخة الإلكترونية لنفس المقال فحمل عنوان ” المشير السيسي يبحث عن شرعيته في اسبانيا” و قد مثّل هذا التحوير مادّة دسمة لتفاعل المعلّقين على الجريدة على أساس انّ يداً ذات سلطة تدخّلت لترحم المشير من صفة الديكتاتور.

 إضافة الى تواتر عناوين بالصحف الاخرى من قبيل، “السيسي، بينوشيه مصر”، ” أين هي الديمقراطية؟” ” السيسي يزور إسبانيا بتعزيز من مبارك”.

 وعموما، سيطرت هذه المادة على مقالات يومي الزيارة و ما سبقها من حيث الكمّ على حساب موضوع الزيارة العملي الذي يشغل إسبانيا واقتصادها المختنق و الباحث عن فرص تسويق خارجية حتى لو كانت في بلد متخبّط سياسيا لا يبشّر بأيّ استقرار. ولربّما تتّضح رؤية الاستفادة الإسبانية على مستوى الأرقام اذا تمعّنا في نوعية الاستثمارات التي ستخصّ بها الطّرف المصري، فلا هي مصانع تُشرك طالبي الشغل و تخفّف من جام الغضب الشعبي و لا هي مبادرات تُبقي على ثقة ما تبقّى من مناصري السيسي و تثبت للعالم أنه ليس برئيس فاشل كما يدّعون.

 الاستثمارات كما نقلتها الصحافة الإسبانية تتمحور حول تركيز شبكة للقطار السريع من الإسكندرية لأسوان، مرورا بالقاهرة. مشاريع استثمارية في الطاقة البديلة و الكهرباء و الغاز ( مع ضمان تسوية وضعية ما تخلّد بذهن الجانب المصري للسنتين الأخيرتين) ومؤشرات غير سارة للمواطن المصري بخفض الدعم في هذا المجال (من أجل استخلاص الديون طبعا لضمان انطلاق العقود الجديدة)، إضافة الى مشاريع شراكة في مجال الدفاع و الأمن، و هذا الموضوع بالذات حظي بكثير من الاهتمام باعتباره يستهدف خطر الإرهاب و يؤكّد على مكانة مصر بالذات في احتضان مركز أبحاث استراتيجي للأمر مع بقية الدّول الدّاعمة لها.

 ولعلّه من الواضح أن مشاريع كهذه مع بعض الاستثمارات الجانبية، تعود بالنفع قطعا على الجانب الإسباني من حيث العوائد المادية و تعزّز مكانة مصر في المنطقة و تركيزها لبنية تحتية عمليّة و مناسبة للألفية الثالثة ( قطار سريع، اعتماد طاقات بديلة، تطوير خدمات الغاز و الكهرباء…)، و تبدو سياسات طموحة في مجملها، إلا أن الهوّة السحيقة التي تتعمّق كل يوم بين مشهد مجتمع بات لا يأمن فيه المواطن حتى الماء الخارج من الحنفية، هل هو صالح للشّراب ام لا، و تتواتر فيه حالات الانتحار بسبب الفقر تِباعا، تجعل المتابع للشأن المصري، يضع هذه المشاريع “الرفاهيّة” في باب الهروب الى الأمام.  و يحدّثونك عن جمال السيسي و سحره

*كاتبة تونسية مقيمة في إسبانيا

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة