مقالات

النضال “الإسلاميّ” ضدّ الثقافة والفنّ لدى فلسطينيي 48

لم يعُد الحديث عن مجرد اختلافٍ في وجهات نظر، أو احتكارٍ لمفهوم ما باسم الإسلام، بل إنّ الأعمى وحده مَن يتجاهل أننا أمام مشروعٍ ممنهج لاحتلال العقل الفلسطينيّ.

أنوار سرحان*

ثمّة طريقتان: الأولى أن ننكرَ واقعَنا الحرج، ونكتمَ صوتَ العقل مصرّين على القول (بأنّ الإسلام هو ما وجدنا عليه آباءنا وإنّا على آثارهم لمقتدون)، وهي وصفةٌ عملية جدًّا من شأنها أن تغلقَ باب النقاش من أوّله، وتضمن لنا أربعة عشر قرنًا آخر من تقليد السّلف الصالح، نقضيها في حماية رُعاتنا من الملوك والرؤساء والسلاطين الذين نجحوا حتى الآن في أن يكفلوا لنا حقّ الصدارة بين أكثر شعوب العالم تخلّفًا وفقرًا، فنحن الآن أمّةٌ تتسوّل  لقمة عيشها اليوميّ من دول الشرق والغرب، وتعيش على الصدقات والهبات، وتعاني مآسيَ الحروب الأهلية على طول المنطقة الممتدّة من الصحراء الغربية إلى قرى الأكراد في العراق، وتتلقى الهزائمَ على جميع الجبهات الصغيرة والكبيرة، وترزح تحت أسوأ نظم الحكم التي عرفها التاريخ وتبدو مضحكةً ومبكيةً أيضًا مثل مهرّج مات في منتصف العرض.

 

الطريق الأخرى والأكثر مشقّةً هي أن ننظرَ إلى الواقع في عينه وننصت مليًّا إلى صوت الحقّ، فالإسلامُ الذي ورثناه عن أسلافنا، ليس هو الإسلام الذي بشّر به القرآن، بل نسخة ناقصةٌ عنه ومشوّهةٌ إلى ما لا نهاية, إنه مجرّد بديلٍ فقهيّ صنعه الإقطاع على مقاسه، بأن سلبَه قلبه وصوته معًا وأحاله إلى صنمٍ أجوف، قد يشبه الإسلام في شكله ولغته، لكنه يختلف عنه عمليًّا، بقدر ما يختلف الميّت عن الحيّ..”!

 

بهذه الكلمات الصّادمة صفع المفكر الليبيّ الرّاحل “الصادق النيهوم” قرّاءه، في مقدّمة كتابه “إسلام ضدّ الإسلام”، الصّادر عام 1994. طارحًا رؤيته لما يجري اليوم، وهو تمامًا ما جرى عبر قرون طويلة، من خلطٍ وتشويهٍ للمعاني المنسوبة للإسلام ، مطلقًا نداءً للعقل ألا يرضى بتزييف الدين من منتحِليه.

 

جاء الكتابُ محتفيًا بالحوار، بنشر مقالات الكاتب (المنشورة آنذاك في مجلّة الناقد)، مرفقةً بما أثارت من ردودٍ عليها، وبتعليق الكاتب على تلك الردود التي حمل معظمها اختلافاتٍ حادّةً ، وبدا أشبه بحقل ألغامٍ آثر النيهوم الخوضَ فيه ببراعةٍ.

 

قد نختلف معه في نقطةٍ أو نتّفق، ولكنّنا لا يمكن إلا أن نعترف بأنّه أجاد الإخلاصَ لصوت السؤال ومنهج البحث، وأنّه بمبضع جرّاحٍ ماهر، فكّك الخيوط قبل أن يعيد نسجَها بطرقٍ جديدة، جعلتها أشبه بحلّةٍ مختلفة تمامًا في زيّها عمّا اعتدناه، دون أن تتنازل عن خيوطها الأصلية، المنبعثة من وحي القرآن الكريم.

 

 نستذكر هذه الكلمات الآن ونلوذ بعنوان الصادق النيهوم، ليس فقط لأنّ عالَمنا مزدحمٌ بمن يسعون لتشويه مفهوم الإسلام إمّا باسم تفسيرٍ توارثوه ولا لأنّهم يكفّرون ويرسّخون للتلقين مسيئين لجوهر الإسلام والآيات المحفّزة على العقل والتفكّر وحسب، إنّما سعيًا لرؤية الأمور في سياقها الأشمل ، ولأنّنا كفلسطينيين وتحديدًا في الأراضي المحتلّة عام 48 (الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل)، نواجه هذه الأيام اعتداءً خطيرًا على هويّتنا الفلسطينية (كما الإسلامية) ، ممّن ينتحلون الإسلامَ ويسوّقون باسمه نقيضَه.

 

ففي الوقت الذي يصعّد فلسطينيو 48 نضالَهم ضدّ سياسات المؤسسة الإسرائيلية، متوَّجًا أخيرًا بما سمّي يوم البيت عبر الإضراب العام الذي دعت إليه لجنة المتابعة العربية، يوم 28 أبريل الجاري، مصحوبًا بمظاهرة في تل أبيب ضدّ سياسة هدم البيوت، نكاد نغفل ما يجري من اعتداءٍ سافر على الثقافة الفلسطينية وعلى الفكر والعقل والإنسان، فيما تقوم به جهاتٌ تنصّب أنفسها وصيّةً علينا باسم الإسلام.

 

فإذا كنّا في أبريل الماضي (2014)، قد شهدنا في سابقةٍ لافتة، إلغاءَ العرض الفنيّ (وطن على وتر) في مدينة عكا بدعوى احتوائه على إساءاتٍ للإسلام، وبعد أن تعرّض الجمهورُ إلى اعتداءاتٍ وهجوم طال النساء بشكلٍ خاصّ، وبألفاظٍ خادشة للحياء والأخلاق، إذ اعتدى مجموعة من الشباب “المسلمين” على مَن استعدّوا لحضور العرض، جسديًا ولفظيًّا، وألزموهم بإلغاء العرض الفنيّ.

 

ووسط صمت “القيادات الوطنية” و”النخب الثقافية”، فإنّ الأمر وجد مجالاَ للانتشار دون رادع، متصاعدًا بحدّةٍ متزايدة، فإذا تجاوزنا مقاطعة الحركة الإسلامية لمسيرة العودة بذريعة اختلاط الرجال بالنساء، فإننا قد شهدنا في إبريل الجاري على سبيل المثال إلغاءَ عرضٍ فنيّ في مدينة طمرة، وسط نزاعٍ  وتهديدٍ بالسلاح للجهات المستضيفة استدعى تدخّل الشرطة، بعد إلغاءٍ مشابه لماراثون رياضي في المثلث، للاعتراض على مشاركة النساء فيه، كما تكرّرت حوادث التهديد وعرقلة نشاطاتٍ فنية وثقافية،  إضافةً إلى ما تحدثتُ عنه في مقالتي السابقة (أن تكون من فلسطينيي 48)، من عريضة أئمّة مدينة الطيّبة المطالِبين بحذف اسم الشاعر محمود درويش من شارع 24 وإطلاق اسم “إسلاميّ” عليه!

 

لم يعُد الحديث عن مجرد اختلافٍ في وجهات نظر، أو احتكارٍ لمفهوم ما باسم الإسلام، بل إنّ الأعمى وحده مَن يتجاهل أننا أمام مشروعٍ ممنهج لاحتلال العقل الفلسطينيّ والفكر والثقافة، وتأجيج الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، وباسم الإسلام دون سواه.

 

 إنّ مثل هذه الاعتداءات على حرية الفكر ورموز الثقافة وعلى الفنّ والأدب ، بل وعلى حرية الاختلاف، هو اعتداءٌ أيضًا على جوهر الإسلام، وعلى حرية المعتقد التي تكفلها الآية الكريمة “لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ”،  وهو سبيلٌ سهلٌ لاحتلال إنسانية الإنسان فينا . ولا ريب أنّ التصدّي لمثل هذه المشاريع لا يقلّ أهميةً، عن الدفاع عن الأرض والمكان. فأيّ وطنٍ هذا الذي قد يتحرر فيما إنسانه حبيس عتماتٍ وظلمات؟!

 

لعلّ قياديّينا في الأحزاب والبلديات ولجنة المتابعة، منشغلون بالنضال ضدّ سياسات المؤسسة الإسرائيلية، ويتجاهلون نضالا يبدو أكثر وعورةً وصعوبة، وهو النضال ضدّ احتلال العقلية وإرادة الإنسان الحرّة. وحده هذا ما قد يفسّر تلكّؤهم عن مواجهة هذا الفيروس القاتل، الذي لم يعد يكفي أن نصرخ محذّرين من الانزلاق فيه، بل بإمكاننا أن نعترف بأنّ الهاوية باتت أعلى بكثيرٍ مما وصلنا إليه، وأنّ وصولَ القاع صار يستلزم صعودًا نحوه لا هبوطًا بعد ما إلنا إليه.

 

فهل ثمّة مَن يقاوم هذا الظلام لتحرير الإنسان وفكره وحقّه بالاختلاف، أم أنّ الأسهل أن نظلّ ندعو لإضراباتٍ يقضيها المعظم في رحلات استجمامٍ، أو مظاهراتٍ لا نجيد حشد الجماهير لها أيضًا؟ وكيف سيناضل ضدّ احتلال الأرض من ارتضى احتلال الإنسان فيه؟

 

 ثمّ هل يبادر مثقفونا لاستعادة مكانة الثقافة، أم أنّ مجاراة الرَّكب أسلم وأكثر أمنًا من الدفاع عن حرية الفكر في زمنٍ تشتدّ فيه قوّة مَن يكبّلون العقول؟!

 

هنا نستذكر قولَ الصادق النيهوم، ونصرخ بأننا أمام صيغةٍ للإسلام ناقصة  ومشوّهة، ونضيف أنّ نضالنا كذلك. ومن يدفع ثمن كليهما هو الإنسان الفلسطينيّ الحرّ.

 

خلاصة قولنا :

إذا هاجمك التصحر فاغرس ما استطعتَ من الأشجار والنباتات والزهور كي تغلبه بالخضرة. وإذا هددك الجفاف أجمع ما أوتيت واستأتيتَ من غيمات البلل تمطرك بها لتعيد إليك الماء والحياة. أما إذا باغتك من يسعون لإغراقك بالظلمة والعتمات فليس لك إلا إضاءة كلّ الشموع الممكنة بل وإشعال الشموس المتوهّجة أيضا.

__________________

*كاتبة فلسطينية من الجليل

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة