تثبيط هِمَّة الشّارع التونسي

د. نور الدين العلوي*

لا تسمع اليوم في الشارع التونسي إلا عبارات اليأس وفقدان الأمل. لقد استشرى بين الناس شعور مر بأنهم  فقدوا الطريق وانكسرت بوصلاتهم  السياسية، فالأفق معتم والإحباط على أشده. ويستشري شعور بديل تعويضي ربما لكنه يزيد الأمر سوءا  هو سلوك إلقاء اللوم على الآخرين لإنقاذ الذات من الإحباط. فالآخر مخطئ ولكن من الآخر ومن الذات فعلا في مسار لا يتقدم لكنه يلتف على نفسه ويقتل أمله الخاص في تجاوز الأزمة الخانقة التي  خلفتها انتخابات 2014.
لم يكن أحد من العقلاء ينتظر أن تقوم حكومة الحبيب الصيد بإنقاذ البلد، فالشعارات الانتخابية التي دخل بها حزب النداء وخاطب بها الشارع كانت من الضخامة بحيث لا يمكن تحقيقها. وكان الأمر  متحتملا في مرحلة الدعاية والجميع ينتظر تخفيض السقوف عند التنفيذ وهو أمر معتاد، فالفرق بين الدعاية والانجاز متفق عليه ضمنا.
لكن حزب النداء والتحالف الغريب الذي بناه لا يفلح حتى في تحقيق الحد الأدنى مما وعد به. لقد ظهرت الصراعات البنيوية داخل الحزب بين الشق اليساري العلماني وبين الشق التجمعي (الدستوري) فيه. ولم يعد يصدر عن الحزب  وهو يستعد لعقد مؤتمره الأول إلا أخبار صراعات التموقع في المؤتمر ثم في ما يليه، لذلك انشق الحزب عمليا وشرع في تجميد الأصوات المحتجة. شق الباجي الابن (ابن رئيس الجمهورية) من ناحية يقود كتلة من رجال الأعمال المتهمين في غالبهم بالفساد المالي، وشق اليسار الفرانكفوني المحيط برئيس الدولة (الأب) نفسه. والذي اعترض على التحالف مع حزب النهضة ثم رضخ له على مضض وواصل محاولات إقصائه من الحكومة عبر توريطه في قضايا الإرهاب.
وقد وصل الأمر إلى  ارتكاب حماقات  دبلوماسية في العلاقة مع الوضع الليبي خاصة بما جعل مفاوضات الحوار الوطني الليبي تنتقل إلى الجزائر وتصير تونس الجارة المعنية بالشأن الليبي ضيفة غير مؤثرة على المفاوضات. وذلك قطعا لاحتمال أن يحوز زعيم النهضة الذي يحتفظ بعلاقات جيدة مع بعض الأطراف الليبية مكاسب سياسية من أي نوع.
وعلى المستوى الاجتماعي تتعطل أعمال الحكومة المفرزة من الانتخابات ومن التوافقات اللاحقة لها بفعل سلسلة الإضرابات القطاعية التي لا تنتهي أبدا. فقد تعطلت المدرسة في كل مراحلها. فبعد إضراب التعليم الإعدادي والثانوي دخل رجال التعليم الابتدائي والعالي في سليلة جديدة من الاضرابات فضلا عن موظفي التعليم من غير إطار التدريس والجميع يطالب بزيادة في الأجور قبل الشروع في المفاوضات الاجتماعية الدورية. بموازاة ذلك  دخل المعطلون عن العمل في إضرابات جوع وحشية  توشك أن تترك خلفها ضحايا إلى جانب أن منطقة الحوض المنجمي لا تزال  مغلقة في وجه إخراج الفوسفات من مناجمه لتدوير عجلة تصنيعه في المناطق الساحلية (قابس وصفاقس).
وفي الوقت الذي أمل سكان المناطق الريفية خاصة في الشمال الغربي الزراعي إطلاق عملية تنموية شاملة كما وعد بذلك حزب النداء الذي أقنعهم بالتصويت، غرقت المنطقة في فيضانات الربيع ولم تحظ حتى بنجدة  لوجيستية سريعة. بينما يحاصر سكان الجنوب لمنع التهريب الذي التجئوا إليه على الحدود الليبية  بدعوى محاصرة الإرهاب المتسلل من الشرق. فلم يجدوا بعد ذلك منفذا لرزق أو تجارة.
حالة فشل حكومي  لا نظير لها وقد بدأ الناس يسمعون ويتناقلون  أخبار  استقالة الحكومة التي لا تجد وقتا للانصراف إلى التنمية بل تعاني ضغوطات المتنفذين في حزب النداء للتعيينات الخاصة وهي ضغوطات قادمة بالخصوص من القصر ومن فريق الرئيس الذي بدأ أيضا يرسل إشارات سيئة للصحافة التي لا تسير في ركابه. ويخلق قضايا وهمية  لشغل الرأي العام من قبيل إعادة نصب تماثيل بورقيبة في الشوارع.
ينتج عن ذلك الآن حالة مرارة وإحباط في نفوس الناس. وانكسار الآمال في الخروج من الأزمة الخانقة. وكثيرا ما عاد ضعاف النفوس منهم إلى التندم على زمن الدكتاتور الذي اشبع بعضهم من جوع وكان يخيل إليهم أنه آمنهم من خوف.
ويلتفت المحبطون إلى الأحزاب الفاعلة في الساحة فلا يجدونها باستثناء بعض الأصوات البرلمانية  العالية التي تشبه طائرا يغني وحده بلا سرب يحميه. يطرحون السؤال عن الأحزاب. فيجدون الحزب الذي كان كبيرا قد تحالف مع حزب النداء لأسباب خاصة به ولا تدخل في مشروع الثورة. ورضي بموقع الحزب الثاني غير المؤثر في انتظار  تغير الريح أو حدوث معجزة. أنصار حزب النهضة وهم كثر ومنظمون يخوضون معركة خاصة تحفظ وجودهم من الاستئصال ويرمون الكرة على الشارع الذي خذل حكومتهم يوم حكموا. ويتحججون بأن الشارع ليس ثوريا ولا يُعتمد عليه.
ينظرون إلى بقية الحزيبات الصغيرة التي  نفخت في أسمائها بعد الثورة فلا يجدون إلا أصواتا تلفزيونية معزولة عن الشارع وتنظم متلقيات في فنادق فخمة وتنظِّر  لما ينبغي أن يكون دون الاهتمام بما هو كائن، وهي بدورها تنتظر معجزة  انهيار النداء  لتجد في فتاته ما تجمع. وفي نفس الوقت الذي تظهر فيه تقديرا لحزب النهضة وتلومه لعدم ثوريته لا تنسق عملها معه لتكوين جبهة ضد عودة النظام تحت مسميات التوافق والوحدة الوطنية. بما يجعل هذا الصف السياسي ذرات هائمة وغير قادرة على  جمع شتات الشارع وتربية أمل جديد في الثورة وتحقيق مطالبها. وهكذا تساهم بدورها في  ترسيخ الإحباط واليأس وتنفير الناس من مرحلة الثورة التي أفقدتهم الخبز والأمن.
وفي غمرة الإحباط المحلي وتياره الجارف نحو الحضيض  تنفجر حرب اليمن والتموقع حولها وتنتقل إلى تونس عبر ولاءات متناقضة. معارضو الحرب والتدخل يرون أن ذلك  اعتداء على اليمن لا يحل المشكلة اليمينية بل يعفنها فيتهمون بالعمل ضمن الأجندة الإيرانية وتصب عليهم اتهامات التشيع وموالاة النظام السوري وكل باقة التكفير والإخراج من الملة. بينما يرى مساندو التدخل أن ذلك ضمانة ضد انتشار النفوذ الإيراني في المنطقة ومحاصرة الجغرافيا السنية التي تحميها الملكيات الخليجية. فتنصب عليهم تهم موالاة الموقف الأمريكي في المنطقة. وهكذا تنحرف المعركة الداخلية عن مسارها وتتيه البوصلة عن المطلوب الآن وهنا تونسيا.وعوض التركيز على تحقيق أهداف الثورة صرنا نناقش في المجالس والمواقع الاجتماعية تاريخ السنة والشيعة و نتبادل التكفير المذهبي الذي بدأ في القرن الأول وعاد في القرن الخامس عشر كما لو  أننا مازلنا في معركة صفين.ونسينا تفعيل مبادئ الدستور الذي كان لسنة مضت مفخرة التونسيين.
هل من أمل ؟
سيبدو مقالي هذا  محبطا لكني أراه واقعيا. وواقعيته تنبني على قراءة غير ودية في النخبة السياسة التونسية العاجزة عن تجاوز عوائقها الداخلية التي منعتها زمن الدكتاتورية وتمنعها الآن من التوحد ضمن برنامج سياسي مرحلي يستهدف تصفية مواقع النفوذ المالي الفاسد ولوبيات النفوذ الاجتماعي (الاستحواذي) التي تعيق إطلاق برنامج اجتماعي حقيقي يستجيب لحاجيات المناطق المهمشة والفئات المفقرة والتي قامت في حقيقة الأمر بالثورة وأهدت السلطة لهذه النخب.
هنا يكمن احتمال إنقاذ حقيقي لكنه يتطلب إيثارا استشهاديا لا تبدو هذه النخب مستعدة له أو هي في مستواه الأخلاقي الفعلي.وليس أدل على ذلك  من المكائد التي نتابعها لإعاقة إطلاق حراك سياسي قاعدي يشتغل عليه الرئيس السابق المنصف المرزوقي في الأيام الأخيرة. فالرجل لا يزال يحظى باحترام الكثيرين ولديه قدرة على التجميع لكنه يهدد الحزيبات الصغيرة و الأحزاب الكبيرة إذ يوشك أن يستقطب من قواعدها ويفرغها من شبابها المحبط الباحث عن أمل أخير. فهي عاجزة عن الانتشار وتمنع غيرها من ذلك وهو الأمر المنذر  بأحد أمرين وكلاهما كارثي:  إحباط تام ومطلق وهروب انتحاري إلى داعش أو البحر على زوارق الموت أو  الانفجار الاجتماعي الذي لن يبقي ولن يذر. هل هذا القول متشائم؟  انه واقعي إلى حد المرارة

________________

*كاتب وأكاديمي تونسي

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة