القيم الضائعة والكراهية السياسية

محمد منير*

 العالم يتطور تكنولوجيًا وعلميًا، وربما حضاريًا، والمنطق يحتم أن تتطور معه القيم الإنسانية، ولهذا فمن الشائع أن يوصف الإنسان الأكثر تهذبًا وسلمًا في المعاملات بأنه إنسان حضاري، وربما كان من البديهيات التي التصقت بأذهاننا، بحكم الصيرورة الطبيعية للمنطق، أنه كلما تطورت الحياة، وأخذت بمبدأ العلم وأسباب التطور التكنولوجي، زادت حضارة الإنسان، وتعمقت آدميته، وترفعت معاملاته مع الآخر، لكن مثل الكثير من الأمور يحدث تعارض بين الواقع والمفترض منطقيًا.
  تذكرت مشهدًا وأنا أتظاهر منذ بضع سنوات ضد نظام مبارك، وقد قام رجال الأمن بأسر عدد من المتظاهرات، وبعد القبض عليهن واستسلامهن، وفى أثناء إدخالهن سيارة للشرطة قام شخص بالاعتداء عليهن بضرب مبرح غير إنساني! ولم أدرِ هل هي عقوبة قبل التحقيق، أم عودة إلى عهود همجية إنسان الغاب؟!
الأسبوع الماضي تكاتف عدد كبير من الجماعة الصحفية المصرية حول موقف واحد، يطالبون من خلاله بحق زميل لهم معتقل «في العلاج»، خاصة أن نظره مهدد بالفقدان.. الزميل معتقل بسبب انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة من قبل النظام الحاكم الآن، ويدفع ثمن تأييده لنظام الحكم السابق على النظام الحالي، وهو النظام الذى كانت تقوده جماعة الإخوان، وهو مشهد معتاد في تاريخ الصراعات السياسية في العالم، بصرف النظر عن حجم ما يحمله من ظلم أو عدل أو واقع غير مرغوب فيه .
اللافت أن الجماعة المحتجة، المطالبة بعلاج زميلهم ضمت صحفيين من المناهضين لجماعة الإخوان، بل منهم من شارك في العمل على عدم استمرار الجماعة في الحكم، وهؤلاء في موقفهم من زميلهم حكمهم منطق يستند إلى عدة مبادئ إنسانية وسياسية، تدور كلها حول وجود قواعد للاختلاف، لا تخرج العلاقات الإنسانية عن سياقها الطبيعي، ولا تتجاوز بحدود الاختلاف السياسي إلى الانتهاك الآدمي، وإهدار حقوق الإنسان التي أقرتها كل الدساتير الإنسانية، دينية كانت أم غير دينية.
وفى المشهد- للأسف- تظهر أصوات غير ضعيفة، تدعو صراحة إلى الممارسة الفاجرة مع أصحاب الرأي الآخر إلى حد النفي، والعزل، والقتل، وسحب الجنسية بحجج ممارسة هذه الجماعة على العنف، متجاوزين حقوقًا قديمة للدفاع والإثبات والأدلة والتيقن، وهى حالة الاحتراب التي فرضتها قيادات الجماعات المتصارعة من أجل فرض سيطرتها والانتصار والهيمنة.. وإحقاقًا للحق شاركت كل الاتجاهات المتصارعة- بشكل أو بآخر- في إهدار قيم الاختلاف والخلاف، وتحول المجتمع من التكاتف، والتعاطف الإنساني إلى التشرذم، والانقسام غير الإنساني.
يتهمون الدين الإسلامي بالعنف والقسوة واللاإنسانية، لهذا سأقارن ما يحدث في هذا المجتمع المتطور بالعهد الإسلامي الأول، وكيف كان يتعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأسرى المشركين الذين كانوا يستهدفون هلاك الأمة الإسلامية، وهلاك الرسول شخصيًا، وليس مجرد خلاف على الحكم أو في الرأي.
 في البداية أنوه بأنني مقتنع بأن سلوكيات رسول الله صلى عليه وسلم الذى لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى، هى المفسر الوحيد لجوهر ومحتوى القرآن الكريم، وليس لي علاقة بأي تفسير لغوى لأى من مفردات القرآن .
في غزوة بدر انتصر المسلمون، ورغم قلة عددهم أسروا سبعين مشركًا، وسأل رسول الله أصحابه عن كيفية التعامل معهم، فقال أبوبكر: “يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وانى أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوةً لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا”، وقال عمر بن الخطاب: “والله ما أرى ما رأى أبوبكر، لكن أرى أن تمكنني من فلان- قريب لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان- أخيه- فيضرب عنقه؛ حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم ” فأخذ الرسول بما قاله أبوبكر. وفى الأمور التي كانت تستوجب حبس الأسير، كانت هناك قواعد للحبس تفرض كلها حسن المعاملة، والحبس في مكان يليق بالآدميين، والعلاج، وإطعامهم مما يطعم به الحر، في الوقت الذى كان شائعًا في سجون الحضارات الرومانية التعذيب، وفقء العين، وسلخ الجلود، والقتل.
الشاهد أن الخلاف في الرأي لا يوجب السجن أو الحبس، وفى حالة لو كانت هناك ضرورة أو أسباب، فإن الأمر يُدار بقواعد إنسانية فرضها الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى، ونقلها للبشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهى الرحمة التي تشاركت فيها الجماعة الصحفية عندما اجتمعت رغم اختلاف عقائدها وآرائها حول حق زميلهم الأسير في العلاج..
 تحية لهم

______________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة