مقالات

ثوار بلا ثورة

محمد منير*

عندما تتشابك المشكلات وتتقاطع وتختلط المفاهيم وتتعقد الحلول ويطول الواقع المؤلم بالشعوب ، تتفاعل كل هذه المعطيات لتنتج مخرجاً جديداً يتعارض منطقه مع منطق التراث الانسانى المبنى على معطيات أقل آلاماً وأكثر اتساقاً..
الفترة الطويلة التى عاشها الشعب المصرى فى ظل أزمات مركبة على كل الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والصحية والنفسية، فرضت عليه قيم ومفاهيم جديدة وقواعد للحياة نقلته من جبهة الضحايا للأزمات والمشاكل الى جبهة المشاركة فى وجود هذه المشكلات، حتى أصبح المصريون مكوّن رئيسى فى أسباب معاناتهم، وأصبح القضاء على هذه المعاناة يستلزم مواجهة النفس والذات أكثر من مواجهة المغتصب.
وفى الثلاثين عاماً الماضية وربما أكثر تفرغت المفاهيم من محتواها فأصبحت مجرد شكل يحمل ملامح فلكلورية بلا معنى ، ومن هذه المفاهيم خالية المحتوى، مفهوم الثورة ، وهى الكلمة التى حملت من بين حروفها السبب والنتيجة فى آن واحد ، وتحولت الثورة عند المصريين من فعل سياسيى يستهدف الحراك بين الطبقات وكسر هيمنة الفئات المستغلة وتغيير البنية الاقتصادية لنظم باطشة أو فاسدة ، الى حالة وجدانية تتأرجح بين الانفعال العاطفى والانفعال الواقعى حسب موقف المستخدم لها .
أصبحت الثورة مجرد مشهد.. عنيفاً بعض الاحيان عاقلاً في أحيان أخرى ، واصبح الملمح الثورى قناعاً يرتديه الثورى ليضبط به ملامحه على حالة استهوته وسلبت وجدانه وغالباً ما تكون بغير هدف سوى الاستمتاع بالحالة الثورية ، أو الغرق فيها واللجوء اليها كمهرب من أزمة نفسية او معيشية يعجز الثورى عن مواجهتها ، وهنا تنتفى العلاقة بين الثورة والتغيير، وتتحول الى معنى او قيمة او شكل فارغ المضمون . 
ثار عبد الله الفيصل على نفسه فى كلماته التى تغنت بها الراحلة ام كلثوم فى ثورة الشك ، وأسس أنور السادات بنيان حكمه على كلمة الثورة عندما أعلن ثورة التصحيح فى مواجهة مراكز القوى رغم أن البنيان الطبقى المستغل لم يتغير عن ما قبل حكم الرجل ، بل أن تنظيم مراكز القوة ذاته لم يختف وان شهد تغيراً فى ملامحه .
عرف التاريخ السياسى المصرى "ثورة عرابى" المشهورة والتى لم تتجاوز مشاهدها فى وجدان المصريين مشهد الجندى الهمام على فرسه فى ميدان عابدين وهو يناقش الحاكم الظالم ويبلغه بضيق الشعب والجيش من ظلمه ، وهو نفس الامتداد لثورة الفلاح الفصيح التى تناقلتها برديات الفراعنة والتي من خلالها تجرأ احد الفلاحين المصريين ورفع راسه وعينه من الارض ليسترحم أحد الأمراء المستغلين فأعتبرها التاريخ أقدم ثورة فى حياة المصريين .
فى عام 2011 ضاق الشعب المصرى بظواهر الفساد والظلم والقمع فخرج مدفوعا بضيقه الى الشوراع يطالب بسقوط النظام يحيط به عاملين أساسيين .. الأول عدم وجود تصور محدد لدى الثوار عن النظام البديل ولا وعى بكلمة التغيير، فقط كان الهدف اسقاط النظام . والثانى هو سيطرة الزهوة الاعلامية على الأداء الثورى وهى الزهوة التى حولت القيادات الثورية الى مشخصاتية فى جوقة غير متناغمة على مسرح مرتبك ، وأصبح الثورى الحق إبناً للأداء المظهرى للدور الثورى ، ولهذا لا تندهش عندما تجد شخصاً يجرى وسط السيارات ويقفز من فوقها ويخترق صفوف الشارع المزدحم ويعطل سيره لينتهى بصورة ثورية له وهو منتصب رافع يده لأعلى بعلامة النصر، ووجهه متخفى بوشاح المقاومة يظهر من وراءه عيناً تحمل نظرة صارمة تجاه هدف غير محدد وغير معلوم حتى لصاحبه  الذى تتخدر عاطفته بهذا المشهد ويكتفى به !
ولا عجب ايضاً ان تصطدم بحملة من المغتصبين أو الهجامين على الحقوق ، وهى تسير فى طريق النهب والهدم والثورة رافعة شعار " ثوار أحرار حنكمل المشوار " ، كلها مشاهد تؤكد أن الثورية حالة منفصلة تماما عن طبيعة الهدف الذى يتبناه ملتبس هذه الحالة، بل الأدق انها أداه متعددة الأهداف والأغراض ..والنتيجة انتاج غزير من الثوار بلا ثورة .

_______________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة