مقالات

النكتة السياسية: من الأسد الى عبد الناصر

ابتسام تريسي*


كما اخترعت الشعوب الحكاية لتضع فيها خلاصة خبراتها، ولتعرف الأجيال اللاحقة عادات وتقاليد وبيئة كل عصر قيلت فيه.. وأصبحت بذلك مرجعاً، وإن اعتمدت على المخيلة بدل الوثيقة التاريخية. اخترعت أيضاً النكتة. وهي مثل الحكاية، لها مقدمة، وعقدة، وخاتمة، لكنّها تعتمد على النقد الساخر، وغايتها الأولى الإضحاك.
وقد وجدت النكتة نتيجة حاجة اجتماعية، يُفرّغ البشر من خلالها طاقاتهم المكبوتة، ويتسلّون عن أوضاعهم الاجتماعية، سواء كانت على الصعيد الشخصي، من ضيق، وقهر، وفقر. أو كانت على الصّعيد العام، كوارث طبيعية، أوبئة عامة، حروب، ونكبات، ومجاعات.
قوام النكتة مفردات بسيطة مكثفة ساخرة، وهي أحد الثوابت الثقافية لبعض المجتمعات، أنتجها عقل جمعي، شعبي.
إذن، من الممكن أن تكون النكتة رد فعل طبيعي، لكنّه قوي، وفعّال، ضدّ كثير من المصائب التي يعاني منها الإنسان، فيرويها على شكل نكتة، ليتخلّص تدريجياً من حالة الألم التي يعيشها.
وأكثر تلك التحديات التي يعيشها البشر، الوقوع تحت حكم جائر لسلطة متعسفة. في العصر الحديث الذي استشرى فيه حكم المخابرات إلى درجة كتم أنفاس الناس، تحايل العقل الجمعي للناس البسطاء باختراع نكت تطال تلك السلطات وعنجهيتها، بطريقة لا يمكن أن تكون بديلاً عن حرية التعبير، لكنّها تقوم بالتنفيس عن بعض القهر الذي يشعر به المواطن.
في الثمانينات صارت النكتة السياسية في سوريا هي الأكثر تداولاً، وكانت تعبر عن المرحلة، وتوثق للانتهاكات والتغييرات السياسية، ومنها نكتة تحكي كيف أوقف شرطي مرور سيارة حافظ الأسد، وطلب أوراقه، فقال له حافظ من أجل بث الرعب في قلبه، وليتركه يمر: "أنا الرئيس حافظ الأسد يا ابني". لكنّ الشرطي رأسه وألف سيف لن يترك السيارة تمر من دون أن يأخذ الأوراق، وتشاجر مع الرئيس، حتى انتبه رئيس الدورية، وجاء راكضاً، وأفسح الطريق للرئيس، ووبّخ الشرطي، وقال له: "لك شو بدك تخرب بيتنا.. ما بتعرف أنو هاد أخوه لرفعت الأسد؟" في إشارة إلى سيطرة رفعت الكاملة عل أجهزة الدولة في ذلك الوقت. أمّا رئيس الوزراء عبد الرؤوف الكسم، فكان له النصيب الأكبر من النكات.
فعندما اجتاح حافظ الأسد حماة، اعترض حمار موكب رئيس الوزراء، وسأله: "شو عم يصير بحماة يا سيادة رئيس الوزراء؟ رد الكسم: "والله متلي متلك ما بعرف شي"
وعن رئيس الوزراء يروى أيضاً، أنّه كان يدرس في "الخارج" وأرسل لأمّه صورته مع قرد، كتب عليها "أنا اللي على اليمين". وعن حافظ تداول الناس نكتة، تقول، "جاء إبليس ليوسوس له كي يقهر الشعب، ويذله، فقال له: ارفع سعر البضائع. قال: رفعتها. قال له: دعهم يتعذبون بالوقوف في طابور للحصول على الخبز، والرز، والسكر. قال: فعلت. وكلما همس إبليس له بأمر يكون الرد بأنّه فعله! حافظ اقترب من إبليس، وهمس له بأمر سيفعله. فصعق إبليس، وقال له: حرام عليك يازلمة، ما بتخاف الله؟".
الشباب كشفوا السرّ، الذي همس به حافظ لإبليس، وهو أنّه سيعيّن ابنه بشار خلفاً له!
من بين الدول العربية، سوريا، ومصر، هما الأقدم في تداول النكت الاجتماعية والسياسية.. عرف عن الشعب المصري خفة الدم، ومقاومة ظروف الحياة القاسية بالضحك، وأكثر النكت المتداولة في مصر مأخوذة عن الصعايدة، الذين عرفوا ببساطتهم، التي تكرسها النكتة حدّ السذاجة.
أمّا في سوريا، فتختص مدينة حمص بالكم الأكبر من النكت التي تسخر من "الحمصي". أهل حمص لا يسخرون من الآخرين، ولا ينتقدونهم، فهم مثل الصعايدة، يسخرون من أنفسهم، وينسبون إليها كلّ الطرائف.  وهذا ما يجعلنا نعتقد أنّ النكتة تحتاج إلى "راوٍ" مشارك في الحدث، يتميّز بالبساطة، والحس المرهف، والتسامح. إذ لا يستطيع اختراع النكتة شخص معقد، أو حاقد.
وهؤلاء الأشخاص هم الأكثر جرأة، وصدقاً، وحريّة؛ وذلك لارتباطهم الوثيق بالأرض، أو الفضاء الصحراوي، أو الأماكن القريبة من الأنهار. وكلّما تعقدت الحياة داخل المدن، وغرق الإنسان في تفاصيلها المربكة، صار أبعد عن روح النكتة، لذا نجد البسطاء، هم الأقدر على اختراع النكتة، وروايتها. ولا يقف في وجه هؤلاء حاجز حتّى لو كان حكماً مخابراتياً. ففي عهد عبد الناصر كثرت النكت حوله، خاصة  بعد النكسة، وكان لها تأثيرها الكبير في ردّات فعله، خاصة نكتة طابور الأرز التي جعلته قلقاً طيلة الليل، وأمر بحلها عند الصباح. في عهده انتشرت نكتة تقول،
"عثر على تمثال احتار علماء الآثار في تحديد أصله، فاقترح جمال عبد الناصر إرساله إلى المخابرات وصلاح نصر لكشف غموضه، وبعد ساعات، قالوا له: لقد تأكدنا أنه رمسيس الثاني، فقال لهم، كيف تأكدتم؟ فقالوا:  اعترف يا فندم".
وعبد الناصر من الشخصيات الحاكمة التي كانت تخاف النكتة، ولا تضحك لها. على عكس السادات الذي كان يحبّ النكتة والفن، وكان أداؤه مسرحياً في خطاباته. أمّا حافظ الأسد، فقد كان رجلاً عسكرياً، منصرفاً بشكل كامل للقضاء على خصومه، والقبض على البلد بيد من حديد. ولم يكن الشارع السوري يجرؤ على الهمس بالنكات حوله. كانت النكتة مخبأة بين الجدران، ولم تنزل للشارع أبداً!
النكتة قد تتناول الحدث، أو الأشخاص، وقد يتحول الشكل البشري أحياناً إلى نكتة، فمجرد ظهور هذا الشخص، وقيامه بحركات معينة يضحك الناس من حوله. وهذه النكتة "الإيمائية" برع فيها شارلي شابلن.. وإسماعيل ياسين.. وقد استخدم إسماعيل ياسين شكله، في كثير من الأحيان بدل الكلمات.. وأضحك الناس.. لكنّ الناس لم تكن تضحك على إسماعيل ياسين كشخص، بل على أفعاله. أمّا أن يتحول الطغاة الذين تدور حولهم النكتة، إلى نكتة بحدّ ذاتهم، فهذا ما برع فيه القذافي، وبشار الأسد. فالاثنان يتميزان بملامح توحي بالسذاجة والهبل.
القذافي أكثر رئيس عربي، لم يكن شعبه بحاجة لاختراع نكت حوله، لأنّه هو النكتة التي سيؤلف الشعب الليبي فيها الكتب، لتعليم الأجيال القادمة، كيف يتحوّل الحمار إلى رئيس.
عندما بدأت الثورة الليبية، برّر القذافي إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين بعدم وجود رصاص مطاطي! ومن أهم أقواله "يحق للمرأة الترشح، سواء كانت ذكراً أم أنثى!" أيّها الشعب، لولا الكهرباء، لجلسنا نشاهد التلفاز في الظلام" "أنا لست ديكتاتوراً، لأغلق الفيس بوك، لكنّي سأعتقل من يدخل عليه".  وكتب في مذكراته، "إنّ السبب الأساسي للطلاق، هو الزواج!".  وما تحدث به القذافي أو كتبه، لا يكفيه مقال، بل يحتاج لكتاب.
أمّا بشار الأسد، فقد ظهر على حقيقته، منذ أوّل ضحكة له في بداية الثورة السورية، والتي أصبحت ماركة مسجلة، لا يمكن أن ينازعه فيها أحداً، وستبقى صورته تلك مثاراً للسخرية، وتأليف النكت على مدى عقود قادمة

_________________

*روائية سورية

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة