في زمن “الترامادول” لن ننسي مرحلة “البانجو”!

سليم عزوز*

لم يحالف فضائية “مكملين” التوفيق، عندما عرضت تسريبها الأخير، بعد بث التسريب “القنبلة” بيومين، ولم يكن التسريب التالي بنفس قوة السابق، بل كان مجرد “فائض قول” بالمقارنة بتسريب كشف عورات الانقلاب وجعله يقف عارياً أمام الناظرين، والذي أثبت أن حركة “تمرد” مارست التخابر مع دولة أجنبية، برعاية قائد الانقلاب وجماعته، “إنهم كانوا قوم سَوء”!.
لقد تعودنا من سلطة الانقلاب، على إطلاق قنبلة دخان لستر العورات، عقب كل تسريب، للفت الأنظار بعيداً عنه، وفي اليوم التالي للتسريب الفاضح لتمرد وأصحابها، كانت تفجيرات دار القضاء العالي التي أعلنت الحركة المسلحة “عقاب” أنها لا علاقة لها بها، لكن “مكملين” شاركت بحسن نية في تفجير آخر تمثل في التسريب التالي، وكما قيل فإن الطريق إلى جهنم الحمراء مفروش بالنوايا الحسنة.
في “مكملين” يقولون أن لديهم عشرات الساعات من التسريبات، حيث من الواضح أن مكتب عباس كامل، سكرتير عبد الفتاح السيسي، على الهواء مباشرة، وربما كان الدافع لبث تسربين، الفاصل بينهما 48 ساعة فقط، هو بسبب ذلك، لكن هذه الساعات هي في حوزة القناة منذ فترة، ومع ذلك كان الفاصل بين تسريب وتسريب يصل لأكثر من أسبوع، حتى نصاب بالملل فنسأل إن كان لديهم تسريبات أخرى أم لا؟.. وفي كل مرة يأتي التأكيد بوجود مخزون يكفي لإذاعة عمل يومي، شبيه بمسلسل “عائلة مرزوق”، الذي كانت تذيعه الإذاعة المصرية ولسنوات في أيام طفولتنا، فهرمنا، وبقيت “عائلة مرزوق”.
التسريبات في مجملها أنزلت عبد الفتاح السيسي من عليائه، فلا هو الزعيم البطل، ولا هو النبي المرسل، ولا هو الوسيم الجاذب للنساء، ولا هو القوي الأمين، كما كان يشيع أنصاره، حتى أدخلوا بالتكرار الغش والتدليس على البسطاء من الناس، لكن التسريبات ومنذ أن بثتها “رصد” وقناة “الجزيرة” أكدت أنه ليس بالضرورة أن يكون دائماً “تحت القبة شيخ”.
ولغير المصريين، فالقبة هي التي تزين مقام الولي، وهناك مقولة مصرية تقال عندما لا يكون ما تحت القبة شيخ، وهو “أننا دفناه معاً”!.
إذ يروى أن اثنين كانا يمتلكان حماراً، وقد مات فأصابهما الحزن عليه، ثم تفتق ذهنهما عن خطة دفعا لها من باب “أكل العيش” تتمثل في أن يشيدوا مقاماً على قبر الحمار المتوفي، ويخدعون الناس بإطلاق لقب “الولي الصالح” عليه، تنذر له العانس نذراً إن رزقها “بابن الحلال” أو “ابن الحرام” لا يهم، ويذهب إلي مقام “سيدنا الولي” أصحاب الحاجات.
 وذات يوم اختلف أصحاب المقام على حصيلة هذا اليوم، فأشار المطعون في ذمته للمقام وأقسم بحياة “سيدنا الولي” أنه صادق. فعلق عليه صاحبه: “لقد دفناه معاً”!
حرفة التسول
التسريبات، كشفت أننا أمام شخصية تتعامل مع التسول على أنه حرفة ومنهج حياة، وقد أساءت لعلاقته مع دول الخليج، وقادة الدول المانحة لـ “الرز”، ومن لم يسئ إليهم أنهم لدي المتسول وصاحبه “عباس”، ليسوا أكثر من أنصاف دول، فإن الإساءة تمت أمام شعوب المانحين، دعك من رد فعل بعض القادة، وتعاملهم على أنهم لم يتأثروا بشئ، فدائماً ما يتعامل “المغفل” على أنه كان مخدوعاً بإرادته!.
في زيارته للملكة العربية السعودية، أخذ السيسي “عباس” معه ليواصل المهمة مع النظام الجديد، وهناك جرى إفهامه بأن زمن خالد التويجري قد ولى. وفي اصطحابه كان يريد أن يعتذر ضمناً على وصفه في التسريبات للمانحين للمساعدات بأنصاف الدول!.
وفي حديثه التلفزيوني حاول السيسي التشكيك في هذه التسريبات، فهو يتعرض لحرب من الجيل الرابع، وأذرعه الإعلامية تعيد وتزيد في أن التسريبات هي بفعل فاعل، والفاعل هم الإخوان، على نحو ينتقل بالجماعة لمصاف القوى العظمي، مع أني لا أراهم سوي مجموعة من الناس الغلابة، ولولا هذا لما تمكن صاحب القدرات العقلية المتواضعة، كما أكدت التسريبات، من أن يضحك عليهم، ويجعلهم يعتقدون أنه في خدمتهم، وكان يبالغ في الخضوع والخنوع للرئيس محمد مرسي، حتى لم يكن يقبل الرئيس من أحد أن يهز هذه الثقة، ووجود أبو العلا ماضي رئيس حزب “الوسط” في السجن إلى الآن ليس لسبب غير أنه قال لمرسي أن السيسي يتآمر عليك، وبدلاً من أن يأخذ الرئيس حذره اتصل بالسيسي ليسأله: ماذا قلت لأبي العلا أغضبه؟!
الآن يريد السيسي أن يقدم هؤلاء الناس الطيبين على أنهم قوة عظيمة ويستخدمون ضده “حروب الجيل الرابع”!.
وليكن، فالتسريبات ملفقة، وهذا ليس صوت “عباس”، أو  ممدوح شاهين، ولا وجود لعباس من الأصل، فآخر شخص اسمه “عباس” مات في الحرب العالمية الثانية في بطن أمه عندما شاهدت قوات الحلفاء زحفاً.
لا بأس إذن، فلم يقل السيسي في رده، كم أخذ من “رز” الخليج، لنقف من خلال الرقم الحقيقي على أن التسريبات ملفقة؟.. ففي الواقع هو لم يقل المبلغ الحقيقي، كما أن الدول المانحة، ما عدا الكويت لم تذكر أرقاماً، على نحو كاشف أن هذه الأموال لم تمنح للشعب المصري، وإنما أعطت للسيسي من أجل أن يقتل أحرار هذا الشعب، فلا تبقى علي قيد الحياة سوى سلالة المماليك، التي بقيت بعد انهيار دولتهم إلى الآن.
سقوط الدولة
كلما ضاق الخناق على أنصار الانقلاب يردون: أنتم لا تستهدفون إسقاط السيسي وإنما تستهدفون الدولة المصرية. ومؤخراً قال السيسي انه ليس النظام فهو الدولة، والتسريبات كشفت معنى التفاهة، حيث أكدت أن الدولة سقطت بنجاح الانقلاب وأن من يدير مصر الآن هو شخص “عباس”، فيوجه القضاء، ويجمع “النقوط” من دول الخليج، ويحرك الأذرع الإعلامية، وان كان ولاء هذه الأذرع ليس بالكامل له، بدليل أن احدهم عندما هاجم في برنامجه حمدين صباحي، فقد لجأ الأخير لكفيل الذراع الإعلامي في الدولة إياها شاكياً.
مرحباً بكم في وظنكم الثاني مصر، بعد أن اتضح أن الانقلابين ليسوا أكثر من رعايا للدولة الممولة، وبعضهم يعمل بشكل مباشر، ومنهم من يعمل عبر الكفيل المحلي في القاهرة، وقد كشف التسريب القنبلة أن “تمرد” التي مثلت الغطاء الثوري للثورة المضادة، هي فعل خارجي، وأن لها حساباً في البنك، وان هذا الحساب يتصرف فيه “عباس” تصرف المالك فيما يملك، وما حدث هو فعل مجرم بنصوص قانون العقوبات، ويندرج تحت بند التخابر للإضرار بالمصالح العليا للبلاد، وهم الذين يتهمون الرئيس المنتخب بالتخابر، مرة لصالح حماس، وأخرى لصالح قطر!.
تسريب قنبلة فعلاً، وما كان ينبغي أن تنجح سلطة الانقلاب في لفت أنظارنا بعيداً، وإن كان التسريب الأخير لقناة “مكملين” ساهم في ذلك، مع فشل تفجيرات دار القضاء العالي في هذه المهمة، ولا أستبعد أن يكون حريق قاعة المؤتمرات جاء في إطار التغطية على التسريبات، ويبدو أن وزير الداخلية، استشعر قلقاً من ان يكون هذا الحريق إن تمت نسبته للجماعات الإرهابية سيؤدي للتخلص منه، وهو يشاهد حملة إعلامية ضده في الإعلام الموجه، فبادرت وزارة الداخلية بإعلان أن الحريق بسبب ماس كهربائي، وربما لهذا أقيل الوزير، ولشغل الناس بتحليل قرار إقالته فترة طويلة، ينسون فيها المستوى الهابط في إدارة شؤون البلاد، كما بينته التسريبات، وللسيسي في إقالته مآرب أخرى، وهو مقدمة للتخلص من كل الشخصيات التي تم التعرف عليها وشاركت في المذابح التي أقدم عليها الانقلاب العسكري!.
الأهمية الوحيدة لتسريب “مكملين” الأخير، أنه مثل إضافة علمية مهمة للباحثين من أمثالي، للوقوف على الحس الشعبي في اختصار التعامل مع الفلوس، والتي صارت تعني “الرز” في عرف الانقلاب.
فقديماً كان “الجنيه” المصري وفي أيام مجده يطلق عليه شعبياً “اللحلوح”، والعشرة جنيهات “بريزة”، وعندما ظهرت ورقة بفئة العشرين جنيهاً، أطلق عليها “الحنتور” كما أطلق على الألف جنيه “الأستك”، و”الأرنب” للمليون جنيه. الآن عرفنا أن المليار “حباية”، وبراءة الاختراع لعباس، ومن الواضح ان “الحباية” تطلق على المليار دولار والمليار جنيه على حد سواء، وأحياناً وكما قال عباس يجري التوسع فتسمي “حباية ترامادول”!.
لا بأس، “ففقه الحباية”، والترامادول، لن ينسينا مرحلة “البانجو” وأن “تمرد” ليست فعلاً مخابراتياً كما اعتقدنا، فالجميع كانوا جزءا من مؤامرة خارجية على إرادة الشعب المصري!.
في كتب التاريخ عرفنا ان مصر أحيكت ضدها مؤامرة من إمبراطوريات كبري، ولا مشكلة عندي في ذلك إلا عندما يكون المتآمر عليها لا يُري بالعين المجردة.
إنها عودة للزمن المملوكي وسيطرته على المحروسة

_______________

* صحفي مصري

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة