الفرق بين دولة مصر ودولة السيسي

سعيد شعيب*
عندما تعرضت كندا لاعتداءات ارهابية، كان الشعار المرفوع هنا “هذه ليست معركة رئيس الوزراء ستيفن هاربر ولا معركة حزبه .. إنها معركة كندا”. هذا للأسف لم يحدث في مصر . بعد أن قرر الجيش شن هجوم عسكري على التنظيم الإرهابي داعش وحلفائه، بعد أن ذبحوا بوحشية اقباطاً مصريين.
حدث هذا الخلط المروع بين دولة مصر ودولة السيسي. غرق الكثيرون في مستنقع الخلافات السياسية. غرق البعض في الارتباك . رغم أن الفارق ضخم. والخلط ايضاً ضخم. السيسي موظف بدرجة رئيس جمهورية، أي رئيس السلطة التنفيذية. مثله مثل أي رئيس سبقه أو رئيس لاحق له. سلطة تدير وتذهب. أما الدولة فأمر كما تعلم مختلف تماماً. الدولة هي الأرض والحدود والشعب. على هذه الأرض مؤسسات، مثل القضاء، والوزارات، والأحزاب ، ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها وغيرها.
اظنك تعرف مثلي أن التفرقة رغم أنها ضرورية لكنها صعبة في الحالة المصرية. السبب هو أننا لسوء الحظ منذ عقود والتماهي كبير بين الديكتاتوريين الذين حكمونا وبين الدولة بمؤسساتها. فهي لا تعمل باستقلال بعيداً عن رئيس الجمهورية. فللأسف لا توجد مؤسسات تعمل بشكل مهني أياً كان الحاكم. تتفاوت بالطبع الدرجة من مؤسسة الى أخرى. فلا يمكن مثلاً أن تساوى بين وزارة الداخلية أو الأجهزة الأمنية بشكل عام وبين القضاء. ولا يمكن أن تساوى بين القضاء وبين مؤسسات المجتمع المدني.
لكن في كل الأحوال في ظل أي نظام ديكتاتوري، أياً كان القناع ديني أو عسكري أو غيره، فهذه التفرقة صعبة. لأن أي ديكتاتور كما تعرف يكاد يكون مستحيلاً أن يترك أي مؤسسات تابعة للدولة أو المجتمع أن تكون مستقلة، فلا بد أن تكون بشكل أو اخر تابعة له. وبشكل أو اخر يمارس عليها ضغوطاً تجعلها لا تخرج عن الصراط المستقيم.
لكن في كل الأحوال ايضاً، ورغم صعوبة ذلك، لا يجب أن ننجر الى إلغاء هذا الفارق الجوهري بين دولة مصر وأي نظام حكم. لماذا؟
لأن الدولة تظلنا جميعاً، بمعنى أنه مهما كانت سيطرة الديكتاتور، فهي الأرضية التي نقف عليها جميعاً والتي يجب أن ندافع عنها  ونحميها.
على سبيل المثال ليس من مصلحة احد أن يتم هدم مؤسسة القضاء، لكننا نريدها مستقلة تماماً عن أي سلطة من سلطات الدولة.  أي أن يكون مستقلاً عن الديكتاتور الحالي. فقد اثبتت تجربة الإخوان القصيرة في الحكم أنه لم يكن لديهم سعى حقيقي لإصلاح مؤسسات الدولة، ولكنهم فقط انشغلوا بالاستيلاء عليها. أي الإطاحة برؤوسها، مثلما فعلوا مع النائب العام عندما غيروه بالمخالفة للقانون والدستور. بالمثل انشغلوا بتغيير رؤساء تحرير الصحف التي تسيطر عليها الحكومة، لكنهم لم ينشغلوا بأن تكون هذه الصحف مستقلة. كانت نتيجة هذا التفكير ان هذه المؤسسات عملت لصالح خصومهم وضدهم بعد الإطاحة بهم من السلطة. 
على سبيل المثال ايضاً لا يمكنك أن تدعم الإرهابيين في الداخل والخارج لمجرد أنهم يحاربون خصمك وينهكونه. السبب الأول أن الإرهاب يهد الدولة وليس الحاكم أياً كان. واذا نجح لا قدر الله في هد الدولة، فلن يعطيها لمعارضي السيسي، بل سيذبحهم مثله تماماً. لعلك تذكر ان من هم على شاكلة داعش يكفرون الإخوان وكل فصائل الإسلام السياسي. فاذا ربيت هذا الوحش ورعيته ودعمته، فالمؤكد أنه سيأكلك انت ايضاً.
لماذا اقول لك كل ذلك؟
لأن الموقف من الثأر للمصريين الأقباط الذين تم ذبحهم في ليبيا، خلط خلطاً مروعاً بين السيسي وبين الدولة المصرية. فاذا كنت من مؤيديه، سوف تهلل باعتباره بطلاً قومياً مغواراً وشجاعاً .. الخ. واذا كنت من معارضيه فسوف ترى ما فعله مغامرة مجنونة سيدفع ثمنها آلاف المصريين المقيمين في ليبيا ، واعتداء على سيادة دولة اخرى  وغرق في مستنقع حرب الإخوة الأعداء في هذا البلد المنكوب. 
اقترح عليك طريقاً اخرا، فعندما تعرضت دولة كندا للاعتداءات الإرهابية، كان موقف القوى المعارضة تحت عنوان “هذه ليست حرب ستيفن هاربر ولا حزب المحافظين، إنها حرب كندا”. وهذا لا يعني عدم الاختلاف مع الحكومة في الإجراءات. مثل الانتقادات الحادة للتراخي الأمني الذي سهل هذه الاعتداءات. ومثل مطالبة الكثير من المعارضين بأن تكون هناك خطة زمنية ووضوح في الأهداف من المشاركة في التحالف الدولي ضد داعش وغيرها وغيرها من التفاصيل. أي لا خلاف على الأهداف الاستراتيجية ولكن يمكن ادارة نقاش واسع وحر حول التفاصيل والإجراءات.
شيئاً مثل هذا يحدث في اسرائيل. فمن الصعب أن تجد خلافاً حول اهداف الدولة، ولا حول الدولة، لكن الخلاف الحاد يكون حول آلية حماية هذه الدولة وطريقة الوصول الى اهدافها.
هذا ما اظن أننا بحاجه اليه. وهذا لن نصل اليه بأن تتفق عليه كل الأطراف المتصارعة. ولكن أن يدركه كل طرف منفصلاً عن الأخر مثلما ادركه الساسة الكنديين والمجتمع الكندي. فليس منطقياً وانت تعرف أن مجرمي داعش ذبحوا مصريين أن نجد من يهتف مؤيداً لهذه العصابة المجرمة في شوارع القاهرة.
ارجو ألا تقع في فخين. الأول هو أن هذا سيزيد شعبية السيسي. فهذه نتائج فرعية لمعركة اظن أننا لابد ان نساند فيها الدولة المصرية، دولتنا، ضد من تجرؤوا وذبحوا وأهانوا، ومن هم ضد الدولة كدولة. طبعاً سوف يستفيد السيسي ونظامه على المدى القصير. لكن الاستفادة الأكبر هي لنا جميعاً لأننا نساند الدولة وليس نظام حكم. دولة نريدها قوية تدافع عن مواطنيها في كل مكان.
الفخ الثاني هو ألا نعارض السيسي لأنه يحارب الإرهاب في الخارج. هذا غير صحيح. فلا يجب أن نتهاون مع أي شكل من اشكال الديكتاتورية، ولا نفرط في دماء شهداء الإستاد ولا دم أي مصري. فليس هناك دم حرام في الخارج ندافع عنه ودم في الداخل نصمت على استباحته. فنضالنا ضد كل ذلك هو دفاع عن الدولة المصرية، دولتنا. ندافع عن الدولة التي نريدها، دولة العدل والحرية والكرامة

__________________

*صحفي مصري يكتب من كندا

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة