مقالات

بحبل من تنزل إيران إلى البئر؟

عبد القادر عبد اللي*


اليمن حاضرة مقيمة في الذاكرة الجمعية التركية. فقد دخلت الأغنية الشعبية المتوارثة من العهد العثماني والتي تقول لازمتها: "آه ذاك هو اليمن، عشبه ورود/ ترى لماذا الذاهب لا يعود؟" في إشارة إلى الجنود العثمانيين الذين كانوا يُرسلون إلى اليمن، ولا يعودون. لذلك فإن "عاصفة الحزم" لم تجد صعوبة بفرض نفسها على راهن الأحداث التركية، خاصة وأن إيران هي طرف في هذا الصراع.
إيران وتركيا دولتان متنافستان أو متصارعتان في المنطقة. فهما تتبادلان المصالح إذ بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 14 مليار دولار في عام 2014 غالبيتها من الغاز الطبيعي الذي تصدره إيران إلى تركيا. أما على صعيد الصراع، فإن كثيراً من المحللين السياسيين وصفوا الحرب الدائرة في سورية حرباً بالوكالة بين تركيا وإيران. وثمة إلحاح على "الوكالة" بالرغم من إعلان الإيرانيين ليلاً نهاراً بأنهم هم الذين يخوضون الحرب ضد من يسمونهم "العثمانيين الجدد" و"التكفيريين" والمتصهينين"، وليس ثمة وكالة في الموضوع، واستأجروا تلفزيونات كبرى مثل بي بي سي لتصوير فيلم لقواتهم في حلب، والطريقة الإنسانية التي يعاملون بها السكان هناك، وقدموا أخيراً قاسم سليماني كقائد للجيش (العربي) السوري في معارك جنوب دمشق.
"عاصفة الحزم" والاستعدادات التي سبقتها أسقطت التقية السياسية بين تركيا وإيران، فقد فاجأ الدبلوماسي المخضرم "أحمد داوود أوغلو" الوفد السوري المعارض في منتصف آذار/ مارس بقوله: "إن تركيا لن تقف عاجزة أمام الهجمات الشرسة التي تشنها قوات النظام مصحوبة بمليشيات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله الإرهابي في كل من حلب ودرعا وريف اللاذقية". لعل هذه العبارة كانت ستنضم إلى كثيرات مثلها أطلقها سلفه عندما كان رئيساً للحكومة بسبب التصريحات الانفعالية حول "الخطوط الحمر" التي تراجع عنها جميعها، ولكن إطلاق داوود أوغلو المعروف بالهدوء والدبلوماسية لهذه العبارة يعطيها بعداً يفرض التوقف عنده. وبمناسبة الحديث عن سلفه الذي أصبح رئيساً للجمهورية فقد أعلن بعد "العاصفة" مباشرة بأن بلاده تدعم العملية، ومستعدة لتقديم الدعم اللوجستي. فهل خرج الصراع التركي الإيراني إلى العلن، بعد أن شعر الإيرانيون بالنشوة إبان التقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية، واعتقدوا أن سيطرتهم على العواصم العربية الأربع حظيت بالمباركة الأمريكية، واستناداً على تهجِّم الصحافة الأمريكية على الأتراك تمادوا وأعلنوا بشكل صريح أنهم يحاربون ما أسموه "العثمانية الجديدة".
ما أسماه الملك عبد الله الثاني "الهلال الشيعي" يعتبره بعض الأتراك مثلثاً يشكل أحد أضلاعه الخط الممتد بين خليج الاسكندرون ومضيق باب المندب. وإذا كانت بعض مناطق هذه المساحة قد دخلت نفوذ الإمبراطورية الفارسية الساسانية عبر التاريخ، فإنها لم تدخل هذا النفوذ مجتمعة في أي وقت، أي أن الحلم الفارسي ليس حلماً تاريخياً فقط، بل حلماً حلِم به أجدادهم ولم يتمكنوا من تحقيقه. هذا يعني أن الصراع الفارسي التركي دخل مرحلة خطيرة اعتماداً على الأيديولوجية المذهبية.
لم يتوقف الأمر عند هذا، فقد ذهب كثيرون إلى اعتبار أن ما يجري في اليمن هو بروفة لجس ردود الفعل الدولية. صحيح أن إبعاد الخطر الحوثي عن السعودية والخليج العربي عموماً يمكن أن يريح المنطقة إلى حين، ولكنه لا يمكن أن يريحها على المدى الطويل. لأن فشل المشروع الإيراني مرتبط بإخراج هذا المشروع من سورية. لأن سورية هي جسر هذا المشروع إلى البحر المتوسط، وهي في الوقت نفسه السد الإيراني المنيع أمام أي تقارب أو تحالف بين تركيا والخليج العربي، لذلك فإن "عاصفة الحزم" هي خطوة أولى ترسم ملامح تكتلٍ جديد في المنطقة، ويمكن أن يُستفاد من هذا التكتل في عمليات أخرى مشابهة بحسب ردود الأفعال العالمية، والمواقف الدولية.
في صبيحة اليوم الثاني لعملية "عاصفة الحزم" بدأت تتسرب الأخبار من الأوساط الرئاسية التركية والملكية السعودية عن احتمال تطبيق التجربة نفسها في سورية. تصريح مستشار الرئيس التركي حول دراسة القيام بعملية مشابهة، وكلام صحفيين مقربين من القيادة السعودية حول تحالف تركي سعودي في سورية تعطي إشارات من هذا النوع. بالطبع من السذاجة التوقع أن يحدث في سورية ما يحدث في اليمن تماماً، لأن في اليمن حكومة شرعية تعترف بها الأمم المتحدة طلبت المساعدة بشكل رسمي، وهناك دول ضامنة لاتفاق الحل السياسي اليمني هي دول مجلس التعاون الخليجي، وقد نكص أحد الطرفين بهذا الاتفاق، لهذا من المرجح أن تمر الأمور بسلاسة. بينما الأمر في سورية مختلف إذا أن الوجود الإيراني فيها تغطيه حكومة مازالت تحظى بشرعية دولية…
ستدخل القضية السورية بعد "عاصفة الحزم" منعطفاً جديداً بدأت بوادره قبل هبوب تلك العاصفة، وتجلى بارتفاع درجة حرارة الجبهات فجأة في مختلف المناطق السورية، وخاصة الشمال والجنوب وهي المناطق المشار إليها لتكون مناطق آمنة. وبالطبع فإن هذا كله ليس بعيداً عن الإستراتيجية الأمريكية الجديدة المسماة: "القيادة من الخلف".
ثمة مقولة تركية تقال تحذيراً ممن لا يمكن الوثوق فيه، وهي: "لا تنزل إلى البئر بحبله". لأن من يريد أن ينزل إلى بئر لا بد وأن يكون صاحب الحبل وماسكه موثوقاً. لقد نزلت إيران إلى بئر الشرق العربي بحبل الولايات المتحدة بالمصالح المشتركة حيناً ومقايضة مع ملفها النووي حيناً آخر، واعتقدت أنها بدأت بتحقيق مشروعها الإمبراطوري، حتى إن مسؤوليها اعتبروا مشروعهم قد بدأ يتحقق فعلاً، وبدأت تتعالى التصريحات السكرى بنشوة النصر. ولكن إيران من خلال دعايتها طالما تقول بما معناه: "لا تنزلوا إلى البئر بحبل أمريكا"، فهل ينطبق عليها قول الله تعالى: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم؟

_________________________

*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة