الصحف القومية المصرية .. النزيف مستمر

ممدوح الولي* 

قال وزير المالية المصرى أنه تم منح المؤسسات الصحفية القومية مؤخرا 275 مليون جنيه ، وأن تلك المبالغ تمثل نسبة 75 % من قيمة المساعدة المطلوبة لإعادة هيكلة تلك الصحف ، ورغم ذلك قامت الصحف القومية برفع أسعار بيع نسخها فى مارس من العام الحالى ، رغم قيامها برفع تلك الأسعار فى مارس من العام الماضى ، لترتفع الأسعار بالمرتين بنسبة 100 % .
وعادة ما يكون التبرير للرفع هو ارتفاع أسعار المستلزمات الطباعية والتوزيعية ، فى ضوء ارتفاع أسعار الوقود وانخفاض سعر صرف الجنيه المصرى تجاه العملات الأجنبية ، الى جانب زيادة تكلفة العمالة نتيجة الزيادات المستمرة بالأجور .
والمعروف أن الحكومة من خلال المجلس الأعلى للصحافة والذى يحصل على موارده من وزارة المالية ، تقوم منذ شهور عديدة بتدبير كامل أجور العاملين بمؤسسة دار الهلال ، ونسبة من أجور العاملين بمؤسسات روزا اليوسف ودار المعارف ودار التحرير ولا تكتفى الحكومة بتلك المنح السخية والإسهام بالمرتبات الشهرية ، بل تتغاضى عن مستحقات ضريبية قديمة لم تدفعها تلك المؤسسات بالمليارات من الجنيهات ، كما تؤجل تحصيل مستحقات التامينأت الاجتماعية لبعض المؤسسات رغم اقتطاعها من أجور العاملين ، كما تستمر فى الإمداد لبعض المؤسسات بالمياه والكهرباء رغم توقف الدفع .
 وأساس المشكلة فى تلك المؤسسات الصحفية أن الايرادات لا تغطى المصروفات .
 وتأتى الإيرادات عادة من الاعلانات والتوزيع والطباعة ، إلا أن حالة الركود والمنافسة الاعلانية بالفضائيات قد تسببت فى انخفاض ايرادات الاعلانات ، مع ادراك المعلنين بتراجع توزيع تلك الصحف ، وهو ما يظهر بوضوح فى ضعف توزيع المجلات التى تصدرها تلك المؤسسات .
أما التوزيع فقد زادت أعباءه مع زيادة أسعار السيارات والوقود وقطع الغيار والعمالة ، مما قلل من هامش الربح ، خاصة أن عائده  يرتبط بعدد النسخ المباعة التى يتم التعاقد مع الصحف الخاصة والحزبية على توزيعها .
ويرجع انخفاض توزيعها لأسباب عديدة أبرزها المنافسة الإخبارية ، من قبل الفضائيات والمواقع الإكترونية ونشر أخبار بالهواتف المحمولة عند حدوثها ، بينما يتأخر نشر تلك الأحداث الى اليوم التالى ، وكثيرا ما تصل فجوة الوقت بين حدوث بعض الأخبار ووقت نشرها الى يوم ونصف .
 بالاضافة الى أن المواقع الإلكرونية الأسرع فى بث الأخبار تحتوى على فيديوهات مصورة ، وعلى إمكانية تلقى آراء الجمهور وتتيح التفاعل بين تلك الآراء .
ومن الأسباب الرئيسية لضعف التوزيع  تراجع الثقة فى مضمون تلك الصحف ، بعد أن تحولت الى بوق للنظام الحاكم ، تدافع عنه بشرسة وتهاجم خصومه بلا ضمير ، كما تسبب ارتفاع ثمن الاصدارات  فى إحجام البعض عن الشراء ، كما تتسبب طبيعة المادة التحريرية التى لا تلبى احتياجات الجمهور فى عدم الاقتناء .
أما النشاط الطباعي فيتم من خلال طبع الصحف غير القومية نظرا لعدم امتلاكها مطابع خاصة ، ونظرا لظروف تلك المؤسسات الخاصة فإنه يتم التأخر فى سداد المستحقات .
 والجانب الآخر الطباعى هو طباعة الكتب خاصة المدرسية ، إلا أن المنافسة مع المطابع الخاصة الأقل فى عدد العمالة والأسعار ، الى جانب دخول مطابع الجيش والشرطة المتطورة المجال .
ورغم ادخال بعض الأنشطة الإضافية لتحقيق ايرادات ، إلا أن كثير من تلك الأنشطة أصبح عبأ على المؤسسات ، مثل إدخال نشاط  الحاسبات الإلكترونية أو الميكروفيلم أو بيع الكتب الأجنبية والمحلية .
 إلا أن عوامل ضعف الكفاءة وضعف التسويق والمنافسة من القطاع الخاص ، وزيادة العمالة وأجورها ، حولت تلك الأنشطة للخسارة لتزيد من الأعباء  ، وظل النشاط التعليمى فى شكل انشاء كليات جامعية هو النشاط الوحيد الرابح .
وعلى الجانب الآخر الخاص بمصروفات المؤسسات الصحفية ، فإن الأجور تلتهم النصيب الأكبر بها خاصة مع الزيادات السنوية ، وميراث المنح والمكافآت التى تم اقراراها لكسب ولاء العاملين ، ولم يعد ممكنا التراجع عنها حتى فى حالة الخسارة للمؤسسة .
وتأتى مستلزمات الطباعة فى المرتبة الثانية بالمصروفات من ورق وأحبار وقطع غيار ووقود ، وهى مصروفات متزايدة فى ضوء استيراد معظمها وانخفاض سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية ، كما تمثل مصروفات التوزيع من سيارات ووقود رقما هاما بالمصروفات .
 ويظل السؤال ماهو الحل ؟ وتأتى الإجابة بأن الحل مؤجل مهما كان مناسبا لأسباب عديدة ، فلا يمكن التخلص من جزء من العمالة رغم كثرتها مهما تدنت كفاءتها أو إهمالها ، بسبب الظروف المجتمعة غير المستقرة والضغط على الادارة من خلال الوقفات الاحتجاجية .
 ومع وجود أصول ضخمة ببعض المؤسسات ، ورغم قيام بعض المؤسسات ببيع جانب من تلك الأصول مثل دار الهلال وروزا وغيرها ، إلا أن الظروف السياسية الملتهبة تجعل من الصعب اللجوء الى هذا الحل .
 كما أن طرح فكرة اللجوء لزيادة رأس المال من إدخال شركاء جدد سواء من المستثمرين أو من خلال البورصة ، ستواجه بعاصفة من الاحتجاج وشحن العاملين ضدها ، كما أن عديمى الكفاءة من مصلحتهم ألا ينكشفوا ، فى ظل مالك لا يراقب ولا يحاسب المتسببن فى الخسائر .
كما أن غياب الخبرة الاقتصادية والإدارية عن معظم قيادات تلك المؤسسات ، تجعلها تؤثر السلامة من خلال سياسة إرضاء العاملين ، ولو ترتب عليها زيادة الأعباء حتى تمر فترة تولى المسؤل فى سلام ، والنتيجة استمرار نزيف الخسائر المالية حتى اشعار آخر

_______________

*رئيس مجلس إدارة الأهرام سابقاً

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه