مات “الشيخ طه” المسيحي

عبده مغربي*

مات “برسوم” .. بعد سنوات طويلة قضاها حائراً بين المسيحية والإسلام، ففي قرية كلاحين أبنود، بمحافظة قنا – أقصي صعيد مصر، كنا وقت الظهيرة ونحن في الصغر نلهو في “كرم الفصياني”.
 “كرم الفصياني” عبارة عن مجموعة من النخلات  الثلاث العظيمات، فارعات الطول، خرجنا للوجود وكل نخلة منهن تحمل إسمها الذي تُعرف به بين أهل القرية، نخلة “أم حمدي” ونخلة “العوجة” ونخلة “اليبوسي” ونخلات كثيرات لكل منهن إسمها الذي خرجنا للوجود وعرفناها به.
 “فين ناصر أبوموسي” ؟ عند “العوجة” ، فين ” عبيد أبو عبد الإمام؟ ” عند “ام حمدي” ..
 كانت تلك النخلات وقتها بالنسبة لنا كخرائط”جوجل” حالياً،  نحدد من خلالها  الإتجاهات، كنا نجمع التمرات اللاتي يتساقطن منهن طوال الليل في الصباح، ونجمع التمرات اللاتي يتساقطن في القيلولة عند العصر، وعند العصر كنا نذهب إلي”برسوم” صاحب ماكينة الحياكة البسيطة، التي  يجلس عليها في “دكانة ” عامر البلوطي، الذي منحه إياها بدون أجرة، بعد أن طرده الحاج كمال لأن “برسوم” لا ينتظم في دفع الإيجار.
  ليست كل جلابيب أهل القرية يحيكها “برسوم” “كان البعض يحيك جلبابه عند “قعرة” و”قعرة” أيضاً قبطي آخر .. دكانته بجوار الجامع الكبير، كُنا نحن الصبية نحب “برسوم” لأنه كانت لديه “قُلل” مياه باردة، وكان كريماً معنا إلي حد أنه كان يقدم لنا الشاي كما لو كنا من كبار الحي، يترك ماكينته، ويملأ “كنكة” الشاي لنشرب معه “شاي العصاري” أشهر “كوباية شاي” فيكي يا مصر، لم يكن يعاملنا بعمرنا، كنا مع “برسوم” أكبر من أعمارنا الحقيقية، وكنا نحب ذلك. في المقابل كنا نقدم له ما جمعنا من التمر، “برسوم” لايقبل كل التمر، كان يحب فقط تمرات “أم حمدي” ، وأم حمدي هي واحدة من النخلات العظيمات، التي لا نعرف متي تسمت بهذا الإسم بالضبط، فهي النخلة الرُطَبْ التي جمعت بين متناقضين، رطب وخضراء، ما أكسبها طعماً فريداً بين بقية النخلات، كنا نلتقط الرطب  الساقط من كل النخلات، اما رطبات أم حمدي فإننا نجمعها خصيصاً للشيخ طه، أقصد”برسوم”، .
 برسوم أو الشيخ طه، اسمان للرجل الطيب، الذي ترك قريته أبنود، واستوطن بيننا في “الكلاحين”، عاش بيننا سنوات كثيرة بإسم “برسوم” علي دين  آبائه أقباط أبنود، قبل أن نستيقظ فجأة في صباح أحد الأيام، علي “الرفاعية”، والرفاعية، هي كرنفال شعبي يجمع بين اللهو والعقيدة، ..
 ففي قريتنا، حينما تقرع الرفاعية  طبولها فإن حدثاً سعيداً قد حدث، يحمل أحد الدراويش طبلة ضخمة يعلقها علي كتفه ، ويقرع عليها فيما يمسك درويش آخر بصاجات في كفيه وبطريقة مبهجة يلامسهما ببعضهما فتملأ الفضاء  دلالاً ، تُشكل  بهذا الصوت مع طبلات أخري صغيرات أعذب سيمفونية روحانية، كانت تخطف أرواحنا وتطيرها في السماء من البهجة ..
الرفاعية الكرنفال هي طقس من طقوس الطريقة الرفاعية، أحد أهم الطرق الصوفية في صعيد مصر، حينما  كنا نسمع صوت كرنفالها  لا يشغلنا لماذ خرجت الرفاعية، يشغلنا في الأساس التنطيط علي دقات بهجتها، فكبار الدراويش حينما كانوا يتمايلون وجداً، كانت أرواحنا تتطاير بهجة وسرورا، خاصة علي ترنيمة الرفاعية الشهيرة ” حي يا حي .. حي … حي يا حي ..حي “.
 كنا نترنم معهم كما يترنمون “حي ياحي ..حي … حي يا حي ..حي “، كان هذة الترنيمة تبهجنا مع دقات الدفوف والطبلات والصاجات، نعم الرقص محرم في بلادنا علي الرجال، لكن “الرفاعية” حلال، التنطيط بهذا الشكل الفلكلوري شيء من الوجد الصوفي، وهو رقص بكل الأحوال، لكن له طريقته، ولهذا لا يسمونه رقصاً، يسمونه ذكراً، ذكر الله بـ ” حي ياحي .. حي ” .
تخرج الرفاعية في حفلات الطهور” ختان الذكور” وتخرج في مواسم الحج، وأحيانا تخرج في المآتم، إذا كان من توفي مشهود له بالصلاح والتقوي،  فإنهم يزفونه إلي القبر علي طبلات ونغمات وترنيمات “الرفاعية ” … لكنها المرة الأولي التي تخرج فيها الرفاعية من أجل هذا السبب، لقد خرجت إبتهاجاً بإعلان “برسوم” إسلامه.
كانت هي المرة الأولي في تاريخ التعايش المسيحي الإسلامي في قريتنا أن يعلن أحدهم إسلامه، لم يكن المسلمون في القرية في حاجة إلي إسلام “برسوم” كما لم بنقص الأقباط بخروج برسوم من ملتهم.
ففي “أبنود” طوال تاريخها، تحظي الكنيسة بنفس القدسية التي يحظي بها المسجد، القس يمر علي الجمع، فيسلم، نقول: أهلاً يا أبونا، والشيخ يمر علي الجمع فيسلم، فنقول: أهلاً يا مولانا،  وفي “الكلاحين” القرية المسلمة، فإن “برسوم” في شطر القرية الجنوبي، و “قعرة” في شطرها الشمالي، وكلاهما “مسيحيان” يعملان في مهنة الحياكة، كانا فاكهة القرية، كانا مختلفان عنا، في الدين، لكننا كنا نحن المسلمون في “الكلاحين” مختلفون  فيما بيننا في المذاهب ، صراع صوفي وهابي، بلغ منتهاه في بدايات التسعينات من القرن الماضي، الوهابية يتهمون الصوفية بالإبتداع والدجل، والصوفية يتهمون الوهابية بالفظاظة والتطرف، و”برسوم” و ” قعرة” محبوبان من الجميع، حتي جاء هذا اليوم، اليوم الذي أعلن فيه “برسوم” إسلامه، “برسوم” الذي أحس بالألفة بيننا، أراد أن يكملها بدخول ديننا، دخل برسوم فأصبح  اسمه ” الشيخ طه” .. وبين ” الشيخ طه ” و “برسوم” مسافات قريبة من الإنسانية والطيبة، مسافات بعيدة من الإلتزامات والتكاليف الدينية.
كان” برسوم” يأكل في نهار رمضان، وينام وقت الجمعة، وويعمل وقت الصلاة، الآن تبدلت الأحوال معه ، طال الأمد ، والصلاة هي الصلاة ، خمس مرات في اليوم، لا أكل ولا شراب في نهار رمضان، الرجل أسلم بعد الأربعين من العمر، لم يقو ” الشيخ طه” علي كل هذه الإلتزامات، أراد أن يعود إلي أهله في أبنود، ففي أحد الأيام استيقظ الشوق فجأة بداخله، أراد أن يذهب إلي زوجته القديمة، رغم أنه قد مُنح زوجة في الإسلام، لكنه اشتاق إلي القديمة، وإشتاق  قبلها إلي أولاده منها، رغم أنه مُنح أولاداً مسلمين، الشوق وحده دين، فجأة راح يقرع باب بيته القديم ، تنكروا له في البداية، لكن الشوق الذي غلبه إليهم غلبهم أيضاً إليه، فأدخلوه، بقي بينهم فترة، قوبلت عودته بسخرية المسيحيين والمسلمين في آن واحد، تنكرت له زوجته المسلمة، وأولاده أيضاً، أخذه الحنين  أيضاً ، فعاد إليهم، وبين “أبنود” و” الكلاحين”  قدم “الشيخ طه”، أو “برسوم” أروع مفاهيم التعايش، حتي مات .
مات” الشيخ برسوم” الذي اشتهر بهذا الإسم في أيامه الأخيرة، واحتار الخلق أين يدفنوه، تعازم الطرفان” المسلمون والأقباط”  كل منهم يقدمه للآخر، في أروع صور الإيثار بين عنصري الأمة ، وبعد نقاش دفن في “الكلاحين”..مات الرجل الطيب، تاركاً خلفه  ثمار الحب، أبناءه الذين اجتمعوا في حبه ولم يفرقهم إختلاف الملة .. الله محبة

_______________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة