داعش تسيطر علي مصر

عبده مغربي*

 

أعلن حزب النور رسميا انضوائه تحت لواء “داعش” الدولة الإسلامية في مصر وشمال إفريقيا، ثم انضمت له بعد قليل جماعة أنصار السنة المحمدية في بيان صدر عنها من مقرها الرئيسي في منطقة عابدين بوسط القاهرة علي بعد خطوات من مقر وزارة الداخلية التي أصبحت مجرد هيكل خرساني بعد إعلان “داعش” دخولها القاهرة، فيما تطالب “الجمعية الشرعية” بشراكة حقيقية مع “تنظيم الدولة” في إدارة شئون البلاد، بعد أن أعلنت في بيان لها من مقرها الرئيسي في منطقة “الدرًاسة” بجوار المقر الرئيسي للأزهر الشريف أنها تقف علي أرضية واحدة مع التنظيم، إنطلاقاً من ثوابت تجمعهما سوياً علي أرضية مذهب”الإمام” بن تيمية، وخرجت المظاهرات من جامعة الأزهر تحمل رايات الدولة الإسلامية وها هي تجوب شوارع مدينة نصر ووسط القاهرة .
علي مقهي صغير بوسط البلد، جلسنا انا وصديقي الملحد سلامة الطاهر الذي أعلن إلحاده قبل عامين، ومن مرمي البصر  ظهر صديقنا رأفت قناوي  قادماً من آخر الشارع ملهوفاً من حرارة الأحداث، وقبل أن يجلس داهمنا عقيد شرطة لا يخفي ميوله الإخوانية رغم انه مازال في الخدمة، وتداخل الحوار بين قناوي القادم للتو من شارع “عماد الدين” والعقيد شريف القادم من “عابدين “. الضابط شريف مبتهج  بالزغاريد التي تهز النوافذ في شارع “محمد علي” ابتهاجا -علي حد وصفه – بسيطرة الدولة الإسلامية علي القاهرة. وقناوي الذي يصف طلقات الرصاص بأنها “زي الرُز” في منطقة رمسيس حيث الإشتباكات ما تزال دائرة بين إسلاميين موالين لـ”داعش” وأقباط ومسلمين يرفضون سقوط العاصمة في يد تنظيم الدولة، وبينما هم كذلك  ارتعد صديقنا سلامة الطاهر، مخافة أن يكون أمر إلحاده معروف لـ “داعش”، فربت العقيد علي كتفه وقال  له في سخرية : “صديقنا محمد شبل الذي يستمع كل ليلة لمناظراتك في الإلحاد، صدر له قرار قبل قليل بأن يتولي مجموعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تنظيم الدولة، بحكم أنه أزهري، وطبعاً انت تعرف أنه يحبك. نهض سلامة الطاهر يريد الفرار إلي القاهرة الجديدة حيث يسكن، لكن المعلومات القادمة من طريق صلاح سالم تقول أن “داعش” نصب عدة أكمنة علي الطريق، هنا ذكًره صديقنا البردعاوي الهوي رأفت قناوي بموقف سابق للطاهر أثناء ثورة 25 يناير حينما تصدي لعملية إقتحام إسلاميين لمتجر خمور في شارع 26 يوليو، وقال له : “كان لازم يعني تعمل فيها سبع الرجال؟ ، يمكن تجد واحدا منهم في كمين صلاح سالم، دول داعش يابا، مبيهزروش”، وصعدا ” قناوي” و”الطاهر” إلي مكتب الأخير الذي يقع علي بعد خطوات من المقهى.
بقيتُ علي المقهى بصحبة العقيد شريف أقلب في هاتفي  صفحات الفيسبوك، ففوجئت ببوست كتبه صديقي الملحد قال فيه:” الحمد لله أن مَن علينا بنعمة الحق، وانتصرت دولة العدل ..داعش” وأسفل البوست ظهر إعجاب من الشيوعي صلاح أبوعبلة بما كتبه سلامة الطاهر، ثم كتب في تعليق:” كثيراً ما دعوت الله أن يمنحني طيفاً من نوره، وها هي الأنوار قد هلت بقدوم دولة الإسلام” ثم أكد في تعليق ثان ” أجمل ما في داعش أنها محت حدود سايكس بيكو التي قسمتنا دولاً وفرقت بين الأشقاء”. وتوالت بعدها التعليقات والتبريكات.
 ونحن علي المقهي فُتح التلفاز علي القناة الثانية في التليفزيون المصري وظهر الإعلامي مصطفي بكري يحلل في أشكال وصور محاربة الغرب للدولة الإسلامية الجديدة، ومؤكدأ أن الشرفاء في الجيش المصري بايعوا سماحة الشيخ أبوبكر البغدادي، وأنه يطالب بتبديل أسماء الألوية والكتائب في الجيش بأسماء الشهداء من تنظيم الدولة الإسلامية، ثم رفع أكفه إلي السماء شاكراً المولي أن بقي حياً  ليشهد  فتح مصر الثاني علي يد خليفة المسلمين أبوبكر البغدادي.
ركبت سيارتي متوجها إلي بيتي وعند ميدان التحرير سمعت إطلاق كثيف للنيران، حيث خرجت جماعات من المصريين حاملة السلاح في وجه قوات داعش ، وهناك عند السفارة الأمريكية وجدت “قوات داعش” حول السفارة لحمايتها ، بينما كان صوت المذياع في السيارة يذيع “بيان داعش رقم 1” بصوت  الإعلامي خيري رمضان : “يا شعبنا المؤمن ، دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلي قيام الساعة ، اليوم تم للمجاهدين  فتح عاصمة البلاد ، هنيئاً يا شعب مصر المؤمن، القاهرة  الآن عاصمة مصر وشمال إفريقيا، فقد ذابت الحدود التي قطعت أوصال الأمة،  اليوم نفط ليبيا لأهالي مصر، وماء النيل لأهلنا في غزة، وقريباً خيرات السودان لأبناء الجزائر”، وبينما يشدني تبدل المواقف بسلاسة ويُسر عند إعلاميينا ، فإذا بالأوضاع بجوار فندق الفورسيزن علي كورنيش النيل تثير الرعب في أوصالي، يتقاطع صوت المذياع  داخل السيارة مع طلقات الرصاص خارجها، شباب من منطقة مصر القديمة هجموا علي الفندق، والشارع مليئ بالصبية يحملون تليفزيونات، وهؤلاء يحملون نجف وأباجورات ، وتبادل إطلاق الرصاص بين أفراد من أسطح العمارت في الحي العريق”جاردن سيتي” مع  آخرين في الشارع، لكن الأغرب  والأبشع منظر جميلات جاردن سيتي وهن يصطففن في طابور واحد بعضهن بملابس البيت، ثم سمعت أحدهم يقول:”هؤلاء سبايا  جاردن سيتي يا شيخ”، سقط في قلبي حال أهلي وجيراني أن يصيبهم ما أصاب سكان جاردن سيتي ، فاتصلت بالتليفون أطمئن،  يا الله، لم تعد في الهاتف شبكات إتصال، أمسكت بهاتفٍ آخر علي شبكة أخري، نفس الأمر، انقطعت كل شبكات الإتصال، الإنفلات الأمني حسب قول المذياع تسبب في تدمير الأهالي لبعض أبراج التغطية الهاتفية، لقد كان آخر عهدي بالشبكة هو هذا البوست الذي بدل فيه صديقي الملحد دينه إلي دين داعش الجديد.
الجيش يخوض حرباً علي أطراف القاهرة مع داعش ، وثلاث كتائب داخل القاهرة يسيطرعليها إسلاميون انضموا لداعش من الداخل، وأعلنوا انخراطهم في “تنظيم الدولة”، المروحيات من فوقنا تقاتل بعضها بعضاً،  بين من وقعت في يد التنظيم ، ومن بقيت تحت سيطرة الجيش، قذائف في كل مكان،  سيارات تتقلب من السرعة ، وأخري يستوقفها بلطجية ثم يشعلون فيها النيران، الرعب في كل مكان،  كافة وسائل الإتصال مقطوعة، إلا من بعض موجات مرتبكة،  أسمع صوتاً  يشبه صوت المذيع يوسف الحسيني، يصرخ علي إذاعة “نجوم إف إم” : “يا أمير المؤمنين أغلق صالة 4 في مطار القاهرة” ، لا .. هذا ليس صوت الحسيني ، لا يمكن أن يخرج منه هذا الكلام ، لا .. هو صوته ، نعم صوته، لا غرابة في ذلك، فإذا كان سلامة الطاهر أعلن إيمانه، فلا غرابة ان يبدل الحسيني مواقفه، المواقف أهون من العقيدة.. مازال الحسيني يصرخ: “أيها المجاهدون ..أغلقوا صالة 4 في المطار.. رجال الأعمال اللصوص يهربون عبرها بطائراتهم الخاصة، أموالهم التي يهربون بها من حق بيت مال المسلمين، يا جند الله في طريق المطار امنعوا محمدابوالعنين وحسن راتب ونجيب ساويرس وفريد خميس من الوصول إلي طائراتهم.. يصرخ مجدداً : كيف يفلت منكم محمد الأمين  ويصل إلي الكويت ، كيف وصل منصور عامر إلي طائرته التي تحلق الآن في الأجواء في طريقها إلي الأردن ، ويصرخ : يا إخوتي حرام عليكم. يصرخ ويصرخ ويصرخ حتي أيقظني صراخه من النوم .
يا له من كابوس أليم .. الحمد لله أن مَن الله علينا بنعمة الإستقرار ، اللهم من أراد بمصر سوءاً فعليك به .  
________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة